تتزايد المؤشرات على أن الطريق أمام عودة نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية بات مغلقاً، حيث بدأت قوى فاعلة داخل تحالف الإطار التنسيقي الحاكم في العراق بمحاصرة ترشيحه، موجهة رسائل واضحة تفيد بأنه أصبح مرفوضاً، وأن الغطاء المرجعي مفقود، مما يجعل مسعاه لرئاسة الوزراء أمراً مستبعداً في المرحلة الراهنة.
رفض سياسي داخلي وتداعياته
في هذا السياق، أفاد القيادي في تيار الحكمة، فهد الجبوري، بأن خيار ترشيح الشخصية المتداولة في الأوساط، نوري المالكي، لرئاسة الوزراء بات غير ممكن في المرحلة الراهنة. وأوضح الجبوري في تدوينة له أن فشل المالكي في إقناع الإطار التنسيقي بقبوله رئيساً للوزراء، بالإضافة إلى الرفض السياسي الداخلي وغياب الغطاء المرجعي، وتحولات المزاج الشعبي، فضلاً عن اعتبارات التوازن الإقليمي والدولي، كلها عوامل تجعل تمرير هذا الخيار أمراً مستحيلاً.
ويخشى تيار الحكمة، الذي يتزعمه عمار الحكيم، من أن دعم الشخصيات المثيرة للجدل للمالكي يمكن أن يعيد تجديد الأزمات السابقة التي عصفت بالبلاد، ويعرقل الجهود الرامية لبناء توافق حقيقي قادر على الانتقال بالعراق إلى مرحلة جديدة تتميز بتحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة. وقد ألمح عمار الحكيم علناً إلى خيارات تصعيدية، بما في ذلك الانسحاب من الحكومة القادمة، لافتاً إلى عمق المأزق القائم. فانسحاب عنصر رئيسي من الائتلاف الحاكم من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف الشرعية السياسية لأي حكومة مستقبلية ويعزز الانقسامات الداخلية، في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً محلية متزايدة وتوترات إقليمية متصاعدة.
المالكي: رمز لمرحلة شديدة الاستقطاب وخلفية تاريخية
يواجه المالكي معارضة شديدة لعودته لرئاسة الوزراء، فبالرغم من استمرار نفوذه السياسي، إلا أنه ما يزال بالنسبة للمعارضين بمثابة رمز لمرحلة شديدة الاستقطاب في تاريخ العراق بعد العام 2003. ارتبطت هذه المرحلة بالانهيارات الأمنية، والتظاهرات الجماهيرية الواسعة، وتفاقم الطائفية، خاصة خلال ولايتيه كرئيس للوزراء بين عامي 2006 و2014. شهدت تلك الفترة تحديات جسيمة، بما في ذلك الانسحاب الأمريكي، وتصاعد نفوذ الجماعات المتطرفة، وتدهور الأوضاع الأمنية التي بلغت ذروتها بسقوط أجزاء واسعة من البلاد بيد تنظيم داعش الإرهابي في عام 2014. يعتبر الكثيرون أن إعادة تكليفه يمكن أن تجدد الانقسامات الداخلية ليس فقط داخل المعسكر الشيعي، وإنما أيضاً فيما يتعلق بالعلاقات بين الحكومة القادمة والمكونات السياسية الأخرى، مما يهدد بتقويض الاستقرار الهش في البلاد.
من جهة أخرى، يرى مؤيدو المالكي أن تجربته السياسية الطويلة وفهمه العميق لديناميات القوة الإقليمية يمكن أن تكون حاسمة خلال منعطف حرج يمر به العراق. ويشيرون إلى قدرته على التعامل مع هشاشة البيئة الأمنية ونقاط الضعف الاقتصادية، وتعقيد علاقات العراق مع الجهات الفاعلة الدولية والإقليمية، مما يجعله مرشحاً قادراً على قيادة البلاد في هذه الظروف الصعبة.
تأثيرات محلية وإقليمية ودولية لقرار رئاسة الوزراء
إن اختيار رئيس الوزراء في العراق ليس مجرد قرار داخلي، بل يحمل تداعيات واسعة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يؤثر هذا القرار بشكل مباشر على استقرار الحكومة وقدرتها على معالجة القضايا الملحة مثل البطالة، الفساد، وتحسين الخدمات الأساسية. فعدم وجود توافق حول شخصية رئيس الوزراء يمكن أن يؤدي إلى شلل سياسي، ويغذي حالة عدم الثقة بين الشعب والنخبة السياسية، وقد يدفع إلى تجدد الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح.
إقليمياً، يقع العراق في قلب منطقة مضطربة، وأي تغيير في قيادته يمكن أن يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية. فالعراق يمثل ساحة لتنافس النفوذ بين قوى إقليمية مثل إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية، واختيار رئيس وزراء مقبول إقليمياً يمكن أن يسهم في استقرار المنطقة، بينما اختيار شخصية مثيرة للجدل قد يزيد من التوترات ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية محتملة. دولياً، تولي القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والأمم المتحدة، اهتماماً كبيراً لعملية تشكيل الحكومة العراقية، نظراً لدور العراق في مكافحة الإرهاب، وأهميته في سوق الطاقة العالمي، وتأثير استقراره على الأمن والسلم الدوليين.
اجتماع مفصلي للتحالف الحاكم ومستقبل العراق
يشكل الاجتماع القادم لقوى الإطار التنسيقي نقطة مهمة في تحديد ليس فقط هوية رئيس الوزراء الجديد، وإنما سيشكل ذلك ملامح المرحلة السياسية القادمة في العراق. ففي حال إذا مضى الإطار التنسيقي قدماً في ترشيح المالكي من دون أن تتم معالجة الاعتراضات الداخلية بشكل فعال، فإن ذلك سيكون بمثابة مخاطرة بتعزيز التصدع داخل التحالف الحاكم، وهو تصدع قد يكون من الصعب تجاوزه، مما يهدد بتفكك التحالف برمته.
ولم تعرف الأسباب الحقيقية حتى الآن لانسحاب محمد شياع السوداني من سباق رئاسة الوزراء، لكن هذا الانسحاب كشف عن الهشاشة الهيكلية للنظام السياسي العراقي. فقد مهّد هذا الانسحاب الطريق أمام حزب الدعوة للدفع بترشيح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي برز كمرشح وحيد تقريباً في فترة معينة، إلا أن الدعم لم يصل إلى مستوى الإجماع، في ظل تحفظ ملحوظ عبر عنه زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم. يبقى مستقبل رئاسة الحكومة العراقية معلقاً على قدرة القوى السياسية على التوافق على شخصية تحظى بقبول واسع، لتجنب المزيد من الأزمات في بلد يواجه تحديات مصيرية.


