تهز واشنطن فضيحة أمنية جديدة إثر الكشف عن تسريب معلومات مصنفة بأنها «سرية وخطرة للغاية» من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون). وقد اعترف البيت الأبيض رسمياً بخطورة الموقف، مؤكداً أن متعاقداً سابقاً مع الوزارة قام بتسريب هذه المعلومات الحساسة بشكل غير قانوني إلى مراسلة في صحيفة واشنطن بوست. هذه الحادثة تسلط الضوء مجدداً على التحديات المستمرة التي تواجهها الإدارة الأمريكية في حماية أسرارها الوطنية، وتثير تساؤلات حول مدى فعالية الإجراءات الأمنية المتبعة.
في مؤتمر صحفي عقدته كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية والمتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض، أكدت صحة التسريبات، مشددة على الموقف الحازم للإدارة تجاه أي انتهاك للأمن القومي. وقالت ليفيت للصحفيين إن متعاقداً مع البنتاغون أقدم على تسريب معلومات مصنفة بأنها سرية وخطرة جداً، بشكل غير قانوني، لمراسل صحيفة واشنطن بوست. وأضافت بحزم: «لهذا السبب قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بتفتيش منزل هذا المراسل، وهذا أمر صحيح… لن تتسامح الإدارة مع التسريبات التي تعرض أمننا القومي للخطر».
وفي الأسبوع الماضي، ألقت السلطات القبض على المتعاقد أوريليو بيريز-لوغونيس، وهو مهندس أنظمة ومتخصص تكنولوجيا معلومات سابق في البحرية الأمريكية، كان يعمل متعاقداً في ولاية ماريلاند. واتهمت السلطات الأمريكية بيريز-لوغونيس بسرقة وثائق سرية تتعلق بالدفاع الوطني، بما في ذلك التقاط لقطات شاشة لتقارير استخباراتية سرية للغاية تتعلق بدولة أجنبية غير محددة، ثم نقلها إلى جهاز خارجي. ويوم الأربعاء، نفذ مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) مداهمة على منزل مراسلة واشنطن بوست هانا ناتانسون في فرجينيا، وصادر هاتفها، وحاسوبين محمولين، وساعة ذكية، مؤكداً أن ناتانسون ليست هدف التحقيق الرئيسي، بل جزء من التحقيق في التسريب. وذكرت المدعية العامة الأمريكية بام بوندي، في منشور على منصة «إكس»، أن العملاء فتشوا منزل صحفي يُزعم أنه «كان يحصل على معلومات سرية ومسربة بشكل غير قانوني من متعاقد مع البنتاغون وينشرها»، مضيفة أن المتعاقد قد أُلقي القبض عليه. وكشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن المقصودة هي مراسلتها هانا ناتانسون، التي غطت كيف قامت إدارة الرئيس دونالد ترامب بتقليص وإعادة تشكيل القوى العاملة الفيدرالية بشكل كبير.
تأتي هذه الحادثة في سياق تاريخ طويل من تسريبات المعلومات السرية في الولايات المتحدة، والتي لطالما شكلت تحدياً كبيراً للأمن القومي والعلاقات الدبلوماسية. فمنذ فضيحة “أوراق البنتاغون” في أوائل السبعينيات، التي كشفت عن تاريخ سري للحرب في فيتنام، وصولاً إلى تسريبات ويكيليكس التي هزت الدبلوماسية الأمريكية في عام 2010، وكشف إدوارد سنودن عن برامج المراقبة الواسعة لوكالة الأمن القومي في عام 2013، أظهرت هذه الحوادث مراراً وتكراراً هشاشة الأنظمة الأمنية وتعقيد التوازن بين حق الجمهور في المعرفة وضرورة حماية الأسرار الوطنية. هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها وزارة الدفاع الأمريكية فضيحة تسريبات أمنية حساسة، إذ سبق أن كانت الوزارة مسرحاً لفضائح مماثلة في عهود سابقة، بما في ذلك فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب.
إن تداعيات تسريب معلومات بهذا الحجم والخطورة تتجاوز الحدود المحلية لتشمل أبعاداً إقليمية ودولية. على الصعيد الداخلي، يمكن أن تؤدي هذه التسريبات إلى مراجعة شاملة للإجراءات الأمنية داخل البنتاغون والوكالات الحكومية الأخرى، مع احتمال تشديد الرقابة على المتعاقدين والموظفين الذين يتعاملون مع المعلومات الحساسة. كما أنها تثير نقاشاً حاداً حول حرية الصحافة وحق الحكومة في حماية أسرارها، وهو صراع قديم يتجدد مع كل حادثة تسريب. سياسياً، قد تستغل هذه القضية من قبل المعارضة لانتقاد إدارة البيت الأبيض، مما يزيد من الضغوط السياسية في واشنطن.
أما على الصعيد الدولي، فإن تسريب معلومات استخباراتية تتعلق بـ “دولة أجنبية غير محددة” يمكن أن يضر بشكل كبير بالعلاقات الدبلوماسية والثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها. قد تشعر الدول الصديقة بالقلق إزاء قدرة واشنطن على حماية المعلومات المشتركة، مما قد يؤثر على تبادل المعلومات الاستخباراتية الحيوية في المستقبل. كما أن الكشف عن هذه المعلومات قد يوفر ميزة استراتيجية للخصوم، مما يعرض المصالح الأمريكية وحلفائها للخطر. التحقيقات الجارية ستحدد المدى الكامل للأضرار، لكن المؤكد أن هذه التسريبات ستترك بصماتها على المشهد الأمني والسياسي الأمريكي لبعض الوقت.


