في تطور دبلوماسي واستخباراتي لافت، شهدت العاصمة الفنزويلية كاراكاس زيارة رفيعة المستوى من مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، جون راتكليف، حيث التقى بـ ديلسي رودريغيز. تأتي هذه الزيارة كأول اتصال مباشر بهذا المستوى من مسؤول أمريكي بارز في سياق الأزمة السياسية المعقدة التي تشهدها فنزويلا، والتي أدت إلى تحديات كبيرة لحكم الرئيس نيكولاس مادورو وتصاعد التوترات مع الولايات المتحدة.
خلفية الأزمة الفنزويلية والعلاقات المتوترة مع واشنطن
لطالما اتسمت العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا بالتوتر، خاصة منذ تولي هوغو شافيز الرئاسة في عام 1999، وتصاعدت حدة هذا التوتر بشكل كبير خلال فترة حكم خلفه، نيكولاس مادورو. شهدت فنزويلا أزمة اقتصادية وإنسانية حادة، تفاقمت بفعل العقوبات الأمريكية المتزايدة التي استهدفت قطاع النفط والمسؤولين الحكوميين، بهدف الضغط من أجل تغيير ديمقراطي. اعترفت واشنطن، إلى جانب عشرات الدول الأخرى، بزعيم المعارضة خوان غوايدو كرئيس مؤقت لفنزويلا، مما أدى إلى تعميق الانقسام السياسي وتصعيد المواجهة الدبلوماسية. في هذا السياق المضطرب، تمثل زيارة مدير الـ CIA مؤشراً محتملاً على تحول في استراتيجية واشنطن تجاه كاراكاس، بعيداً عن سياسة العزلة الكاملة.
دوافع الزيارة وأهداف واشنطن
الزيارة التي قام بها راتكليف إلى كاراكاس، والتي جرت بعد يوم واحد من مكالمة هاتفية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورودريغيز، وفي نفس اليوم الذي التقى فيه ترامب بزعيمة المعارضة الفنزويلية الحائزة على جائزة نوبل ماريا كورينا ماتشادو، تشير إلى تحرك أمريكي متعدد الأوجه. وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، أعلن مسؤول أمريكي أن زيارة راتكليف جاءت «بتوجيه من ترامب لإيصال رسالة مفادها أن الولايات المتحدة تسعى إلى تحسين العلاقات مع الحكومة المؤقتة بقيادة رودريغيز». هذا التوجه يعكس رغبة محتملة في استكشاف قنوات اتصال جديدة في ظل الجمود السياسي القائم.
ناقش الطرفان خلال الاجتماع ملفات حساسة ومتعددة، شملت التعاون الاستخباراتي، وسبل تحقيق الاستقرار الاقتصادي في فنزويلا التي تعاني من تضخم مفرط وانهيار اقتصادي، بالإضافة إلى ضمان ألا تصبح البلاد ملاذاً آمناً لأعداء الولايات المتحدة، خصوصاً تجار المخدرات والجماعات غير الحكومية. هذه النقاط تؤكد على المصالح الأمنية والاقتصادية الأمريكية العميقة في المنطقة، ورغبتها في منع تفاقم الأوضاع التي قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي.
ديلسي رودريغيز: شخصية محورية في المشهد الفنزويلي
تولت ديلسي رودريغيز منصب نائب الرئيس في حكومة مادورو، وهي شخصية ذات نفوذ كبير داخل الدائرة المقربة من السلطة. يرى محللو وكالة المخابرات المركزية أن استمرارها في موقع قيادي قد يكون أفضل طريقة لمنع فنزويلا من الانزلاق إلى حالة من الفوضى الشاملة، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية الهائلة. وصفت تقارير استخباراتية رودريغيز بأنها سياسية براغماتية، وغير أيديولوجية بالضرورة، ومنفتحة على الحوار، بل وربما على التعاون مع واشنطن في بعض الملفات. هذه التوصيفات تشير إلى إمكانية وجود أرضية مشتركة للحوار، حتى مع وجود اختلافات أيديولوجية وسياسية عميقة.
أحد التقارير التي اطّلع عليها كبار صناع القرار في واشنطن أشار إلى أنها ارتدت فستاناً بقيمة 15 ألف دولار خلال تنصيبها، ما دفع أحد المسؤولين إلى القول بسخرية «إنها اشتراكية، لكنها أكثر الأشخاص الذين رأيتهم ممارسة للرأسمالية». هذه الملاحظة، على الرغم من طابعها الساخر، تسلط الضوء على التناقضات الظاهرة في المشهد السياسي الفنزويلي، حيث تتداخل الأيديولوجيات المعلنة مع الممارسات الواقعية.
مخاوف أمريكية من تكرار “سيناريو العراق”
كشفت نقاشات داخل إدارة ترامب عن مخاوف جدية من تكرار أخطاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، خصوصاً قرار حلّ الجيش العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة، ما أدى إلى ظهور تمرد مسلح واضطرابات دامت سنوات طويلة. هذا القلق يعكس درساً مستفاداً من التدخلات السابقة، ويؤكد على أهمية الحفاظ على بنية الدولة الفنزويلية لتجنب فراغ السلطة الذي قد يؤدي إلى الفوضى والعنف.
اعتبر بعض المسؤولين الأمريكيين أن الإطاحة بالرئيس مادورو، في حال حدوثها، لا تعني بالضرورة تسليم السلطة فوراً إلى المعارضة التقليدية. بل إن بعض كبار المسؤولين حذروا من أن تفكيك الدولة الفنزويلية بعد إزاحة مادورو، حتى لصالح شخصية معارضة، قد يؤدي إلى سيناريو مشابه للعراق، حيث تتفكك المؤسسات وتظهر جماعات مسلحة وتتفاقم الأزمات الإنسانية. هذا التفكير يشير إلى نهج أكثر حذراً وتدريجية في التعامل مع الأزمة الفنزويلية، مع التركيز على الاستقرار طويل الأمد.
استياء المعارضة وتأثير الزيارة إقليمياً ودولياً
أثارت زيارة راتكليف والرسائل التي حملها استياءً واضحاً في أوساط المعارضة الفنزويلية، التي شعرت بأن واشنطن قد تتخلى عن دعمها الكامل لها. فإدموندو غونزاليس، حليف ماتشادو، والذي يُعدّ الفائز في انتخابات 2024 بحسب خبراء دوليين، لم يحظ بدفع واشنطن باتجاه تنصيبه منذ التحديات التي واجهها مادورو. فيما لم تحظ زعيمة المعارضة سوى بدعم لفظي، مما يثير تساؤلات حول مدى التزام واشنطن بخيارات المعارضة. هذا الاستياء قد يؤدي إلى تعقيد المشهد السياسي الداخلي في فنزويلا، وربما يدفع بعض فصائل المعارضة لإعادة تقييم استراتيجياتها.
على الصعيد الإقليمي، قد تُفسر هذه الزيارة كإشارة إلى مرونة أمريكية محتملة، مما قد يؤثر على مواقف دول أمريكا اللاتينية التي كانت تتبع خط واشنطن في عزل فنزويلا. دول مثل كولومبيا والبرازيل، التي تتأثر بشكل مباشر بالهجرة الفنزويلية وتداعيات الأزمة، قد تراقب هذه التطورات عن كثب. دولياً، قد تُنظر إليها كخطوة نحو استكشاف حلول براغماتية للأزمات المعقدة، بعيداً عن الحلول العسكرية أو التغيير القسري، مما قد يشكل سابقة في التعامل مع دول أخرى تواجه تحديات مماثلة.
في الختام، تمثل زيارة مدير الـ CIA إلى كاراكاس نقطة تحول محتملة في العلاقات الأمريكية الفنزويلية. إنها تعكس محاولة أمريكية لإعادة تقييم استراتيجيتها في فنزويلا، مع التركيز على الاستقرار ومنع الفوضى، حتى لو كان ذلك يعني التعامل مع شخصيات لم تكن واشنطن تفضلها في السابق. يبقى أن نرى كيف ستتطور هذه الديناميكية الجديدة، وما إذا كانت ستؤدي إلى حلول مستدامة للأزمة الفنزويلية أم ستزيد من تعقيداتها.


