في تطور جديد يعمّق التحقيق في قضية الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي، وجه مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نداءً علنياً إلى عناصر الشرطة الوطنية الفلبينية وأجهزة إنفاذ القانون الأخرى، مطالبة إياهم بالتقدم طواعية للإدلاء بشهاداتهم كشهود مباشرين في الجرائم المزعومة والتي ارتكبت خلال حملة «الحرب على المخدرات».
تأتي هذه الدعوة في سياق قضية حساسة تعود جذورها إلى حملة «الحرب على المخدرات» التي أطلقها دوتيرتي فور توليه الرئاسة في يونيو 2016. تعهد دوتيرتي، الذي اشتهر بأسلوبه الصارم، بالقضاء على تجارة المخدرات والجريمة في غضون أشهر، وهو ما لاقى دعماً شعبياً واسعاً في البداية. ومع ذلك، سرعان ما تحولت الحملة إلى مصدر قلق دولي عميق بسبب التقارير المتزايدة عن عمليات قتل خارج نطاق القانون، والتي استهدفت بشكل أساسي المشتبه بهم في قضايا المخدرات، سواء كانوا تجاراً أو مستخدمين. قدرت منظمات حقوق الإنسان أن الآلاف قد لقوا حتفهم في هذه العمليات، مما أثار اتهامات بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وجاء هذا النداء في بيان رسمي أصدره مكتب المدعي العام للجنائية الدولية، مشدداً على أن الشهود المطلوبين هم «أعضاء في الشرطة الوطنية الفلبينية وغيرها من أجهزة إنفاذ القانون الذين شاركوا مباشرة في الحوادث المعنية».

وفي 7 مارس 2025، أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف سرية ضد دوتيرتي بتهمة جرائم ضد الإنسانية في إطار حملة «الحرب على المخدرات» التي نفذت بين نوفمبر 2011 ومارس 2019، سواء في فترة توليه منصب عمدة دافاو أو رئاسة الجمهورية.
وبعدها بأيام نفذت الشرطة الوطنية الفلبينية بالتعاون مع الإنتربول عملية أمنية اعتقلت فيها دوتيرتي فور عودته من هونغ كونغ إلى مطار نينوي أكينو الدولي في مانيلا، وتم تسليمه رسمياً إلى المحكمة الجنائية الدولية، ونُقل جواً إلى مركز الاحتجاز في سكيفنينغن بالقرب من لاهاي في هولندا، حيث يقبع محتجزاً منذ ذلك التاريخ.
وتُعد هذه الدعوة العلنية للشهود خطوة نادرة نسبياً في قضايا المحكمة، وتهدف إلى تعزيز الأدلة المباشرة من داخل أجهزة الدولة نفسها، خاصة أن القتلى بالآلاف، حيث تراوحت التقديرات بين 6,000 و30,000 سقطوا في عمليات الشرطة والمجموعات المسلحة المرتبطة بها.
تُعرف المحكمة الجنائية الدولية، ومقرها لاهاي، بأنها المحكمة الوحيدة الدائمة في العالم ذات الاختصاص القضائي لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية، مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان. وتكتسب المحكمة اختصاصها في هذه القضية على الرغم من إعلان الفلبين انسحابها من نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المؤسسة للمحكمة، في مارس 2018. فقد دخل الانسحاب حيز التنفيذ بعد عام واحد، مما يعني أن المحكمة احتفظت باختصاصها القضائي على الجرائم المزعومة التي وقعت قبل هذا التاريخ، وتحديداً خلال الفترة التي كان فيها دوتيرتي رئيساً وعمدة لدافاو.
وفي نهاية سبتمبر، وجه مدعون من المحكمة الجنائية الدولية إلى الرئيس الفلبيني السابق 3 تهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية.
يمثل هذا التطور خطوة فارقة في مسار العدالة الدولية، ويحمل تداعيات كبيرة على الصعيدين المحلي والدولي. فمحلياً، قد يؤدي التعاون المحتمل من قبل أفراد الشرطة إلى كشف تفاصيل جديدة حول آليات تنفيذ حملة «الحرب على المخدرات»، مما قد يعزز مبادئ المساءلة وسيادة القانون في الفلبين. كما يبعث برسالة قوية مفادها أن لا أحد فوق القانون، حتى الرؤساء السابقين. أما دولياً، فإن محاكمة رئيس دولة سابق أمام المحكمة الجنائية الدولية تُعد سابقة مهمة، وتؤكد على دور المحكمة في مكافحة الإفلات من العقاب على الجرائم الدولية الخطيرة. وقد يشجع هذا الإجراء دولاً أخرى على التعاون مع آليات العدالة الدولية، ويعزز من مصداقية المحكمة وقدرتها على تحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان حول العالم.


