في تصعيد جديد للتوترات في شمال سوريا، وجهت هيئة العمليات في الجيش السوري دعوة صريحة ومباشرة إلى الأفراد السوريين المنضوين في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، سواء كانوا عرباً أو كرداً، للانشقاق عن التنظيم والعودة إلى كنف الدولة السورية. تأتي هذه الدعوة في سياق تطورات ميدانية متسارعة، شملت إسقاط مسيرة استهدفت نقاطاً للجيش السوري في محور دير حافر بريف حلب، مما يعكس استمرار حالة عدم الاستقرار والصراع في المنطقة.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن هيئة العمليات تأكيدها على فتح باب الانشقاق، مشددة على أن الوطن يرحب بهم في أي وقت ومكان. وأوضحت الهيئة أن المشكلة الأساسية للجيش السوري تكمن في “مليشيات PKK الإرهابية وفلول النظام البائد” التي تسعى لاستهداف الأهالي وتدمير النسيج الاجتماعي السوري، في إشارة إلى ارتباط قسد بحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي تصنفه تركيا والعديد من الدول كمنظمة إرهابية.
السياق العام والخلفية التاريخية للصراع في سوريا:
تعد الدعوة للانشقاق جزءاً من المشهد السوري المعقد الذي بدأ عام 2011. شهدت سوريا منذ ذلك الحين صراعاً متعدد الأطراف، تدخلت فيه قوى إقليمية ودولية، مما أدى إلى تشكيل وتنامي جماعات مسلحة مختلفة. قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هي تحالف عسكري تأسس في أكتوبر 2015، ويضم بشكل أساسي وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) بالإضافة إلى فصائل عربية وسريانية وآشورية وتركمانية. تشكلت قسد بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وكان هدفها المعلن محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال وشرق سوريا. وقد نجحت قسد في السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الغنية بالنفط والزراعة، بما في ذلك مدن رئيسية مثل الرقة ودير الزور والحسكة، بعد طرد داعش منها.
لطالما اعتبرت الحكومة السورية قوات قسد “قوات انفصالية” تعمل خارج إطار الدولة، وتتهمها بالسعي لتقسيم البلاد بدعم أجنبي. في المقابل، ترى قسد نفسها قوة محلية تسعى لحماية مناطقها وتطبيق نموذج حكم ذاتي ديمقراطي، وتنفي أي أجندات انفصالية صريحة. العلاقة بين الحكومة السورية وقسد شهدت فترات من التوتر وأخرى من التنسيق غير المباشر، خاصة في مواجهة التهديدات المشتركة، لكن الخلافات الجوهرية حول مستقبل المناطق التي تسيطر عليها قسد لا تزال قائمة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
تحمل دعوة الجيش السوري للانشقاق عن قسد أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، يمكن أن تؤدي هذه الدعوات، إذا ما استجيب لها بأعداد كبيرة، إلى إضعاف بنية قسد العسكرية والبشرية، خاصة في المناطق ذات الأغلبية العربية التي قد تشعر بالاستياء من هيمنة المكون الكردي. كما أنها قد تفتح الباب أمام تغييرات في موازين القوى على الأرض، وربما تمهد الطريق لعودة سيطرة الدولة السورية على مزيد من المناطق في شمال وشرق البلاد، مما يؤثر على مستقبل الإدارة الذاتية التي أعلنتها قسد. الانشقاقات السابقة، مثل تلك التي شهدتها جبهة دير حافر شرق حلب، وتأمين الجيش السوري للعناصر المنشقة، بالإضافة إلى إخلاء وزارة الداخلية سبيل من سلموا أنفسهم في حي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، تعطي مؤشراً على جدية هذه الدعوات ووجود قنوات لتنفيذها.
إقليمياً، قد تزيد هذه التطورات من تعقيد المشهد. فتركيا، التي تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) وتهديداً لأمنها القومي، قد ترى في إضعاف قسد فرصة لتحقيق أهدافها في المنطقة. من ناحية أخرى، قد يؤثر ذلك على علاقات قسد مع الولايات المتحدة، التي تعتمد عليها كشريك رئيسي في مكافحة الإرهاب. دولياً، يمكن أن تزيد هذه الدعوات من الضغوط على الأطراف الدولية الفاعلة في الملف السوري، خاصة روسيا والولايات المتحدة، لإعادة تقييم استراتيجياتها ودعمها للمكونات المختلفة. كما أنها قد تؤثر على مسار المفاوضات السياسية الهادفة إلى إيجاد حل شامل للأزمة السورية، حيث أن مستقبل مناطق شمال شرق سوريا يمثل نقطة خلاف رئيسية في أي تسوية محتملة.
تؤكد هيئة العمليات في الجيش السوري على أن الهدف هو استعادة وحدة التراب السوري وسلامة المجتمع، وأن المشكلة ليست مع الأفراد السوريين بل مع “مليشيات PKK الإرهابية وفلول النظام البائد”. هذه الرسالة تهدف إلى فصل الأفراد عن قيادة قسد، وتقديم ضمانات لهم بالعودة الآمنة إلى دولتهم وأهلهم، في محاولة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المنشقين وتقويض قوة قسد من الداخل.


