أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن توجه وفد أوكراني رفيع المستوى إلى الولايات المتحدة لإجراء جولة جديدة ومحورية من المحادثات. تأتي هذه الخطوة ضمن الجهود الدبلوماسية المكثفة لوضع حد للنزاع المستمر مع روسيا، والذي دخل عامه الثالث منذ الغزو الشامل في فبراير 2022، ومستمر منذ ما يقرب من أربع سنوات إذا ما احتسبنا ضم شبه جزيرة القرم وبدء الصراع في دونباس عام 2014. هذه الزيارة تهدف بشكل أساسي إلى وضع اللمسات الأخيرة على حزمة الضمانات الأمنية التي تعتبر حجر الزاوية في أي تسوية مستقبلية.
وضع اللمسات على الضمانات الأمنية: سياق تاريخي وأهمية استراتيجية
أكد زيلينسكي في مؤتمر صحفي أن الهدف الأسمى من هذه المحادثات هو إنجاز صياغة نهائية للضمانات الأمنية. وفي حال التوصل إلى اتفاق بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية، فمن الممكن توقيعها خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الشهر. إن سعي أوكرانيا الحثيث للحصول على ضمانات أمنية قوية ينبع من تاريخها الطويل مع التدخلات الخارجية، وخاصة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي. ففي عام 1994، تخلت أوكرانيا عن ترسانتها النووية الثالثة عالمياً بموجب مذكرة بودابست، مقابل ضمانات أمنية من روسيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهي الضمانات التي تبين أنها غير كافية لمنع العدوان اللاحق. لذا، فإن الضمانات الحالية تهدف إلى توفير آلية ردع فعالة وموثوقة لمنع أي هجوم روسي مستقبلي، وتجاوز إخفاقات الماضي من خلال التزامات ملموسة وواضحة.
حزمة الازدهار وعرقلة روسيا لجهود السلام
وأشار الرئيس الأوكراني إلى أن بلاده قد أنجزت الجزء الخاص بها من العمل على الوثائق التي تحدد “حزمة الازدهار”، وهي خطة طموحة لتوفير التمويل اللازم لإعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب، والتي تقدر تكلفتها بمليارات الدولارات. هذه الحزمة لا تقتصر على الدعم المالي فحسب، بل تشمل أيضاً برامج لدعم النمو الاقتصادي، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، ودمج أوكرانيا بشكل أعمق في الاقتصاد العالمي. وفي سياق متصل، شدد زيلينسكي في منشور على منصة “إكس” على أن روسيا تعرقل جهود السلام، مستشهداً بالضربات الأخيرة التي شنتها موسكو على شبكة الطاقة الأوكرانية كدليل صارخ على نواياها الحقيقية. وكتب: “كل ضربة من هذه الضربات ضد قطاع الطاقة لدينا ومدننا تُظهر بوضوح مصالح روسيا ونواياها الحقيقية: فهي لا تهتم بالاتفاقيات، بل بتدمير أوكرانيا أكثر”. هذا التصعيد يعقد المساعي الدبلوماسية ويؤكد الحاجة الملحة لضمانات أمنية قوية ومستدامة.
قمة تحالف الراغبين والدعم الدولي
لقد حظي مفهوم الضمانات الأمنية بدعم دولي واسع. فقد دعمت الولايات المتحدة للمرة الأولى تحالفاً واسعاً من حلفاء أوكرانيا في التعهد بتقديم هذه الضمانات، والتي قال القادة إنها ستشمل الالتزام بمساندة كييف إذا تعرضت لهجوم روسي جديد. جاء هذا التعهد في باريس خلال قمة “تحالف الراغبين”، الذي يتكون في معظمه من دول أوروبية، بهدف تأكيد هذه الضمانات لطمأنة كييف في حال وقف إطلاق النار مع روسيا. كما استضافت ولاية فلوريدا الشهر الماضي محادثات مثمرة على مدار ثلاثة أيام بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وشركائها الأوروبيين، ركزت على الضمانات الأمنية، وخطط السلام، والازدهار الاقتصادي. وعُقد اجتماع منفصل بصيغة أمريكية-أوكرانية، جرى خلاله التركيز على أربع مستندات رئيسية: مواصلة تطوير خطة من 20 نقطة، وتنسيق المواقف بشأن إطار ضمانات أمنية متعددة الأطراف، وتنسيق المواقف بشأن إطار ضمانات أمنية أمريكية لأوكرانيا، إضافة إلى مواصلة تطوير خطة اقتصادية وخطة للازدهار.
الأهمية والتأثير المتوقع: محلياً، إقليمياً، ودولياً
إن إنجاز هذه الضمانات الأمنية يحمل أهمية قصوى على مستويات متعددة. محلياً في أوكرانيا، ستوفر هذه الضمانات شعوراً بالاستقرار والأمان، وهو أمر حيوي لعودة اللاجئين، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وبدء عملية إعادة الإعمار الشاملة. كما أنها ستعزز ثقة الشعب الأوكراني في مستقبل بلاده وتطلعاته الأوروبية. إقليمياً، ستساهم هذه الضمانات في استقرار شرق أوروبا، وستكون بمثابة رسالة ردع واضحة لأي طموحات توسعية مستقبلية لروسيا، مما يعزز الأمن الأوروبي بشكل عام ويقلل من مخاطر التصعيد. دولياً، يمثل هذا الجهد التزاماً من المجتمع الدولي بدعم سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويؤكد على أهمية القانون الدولي في حفظ السلام. كما أنه يرسخ مبدأ أن العدوان لن يمر دون عواقب، ويضع سابقة لكيفية دعم الدول غير الأعضاء في التحالفات العسكرية الكبرى. إن نجاح هذه المفاوضات سيشكل خطوة حاسمة نحو سلام دائم وعادل في المنطقة، ويحدد مسار أوكرانيا نحو التعافي والاندماج الأوروبي الأوسع.


