أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، الجمعة، استعداده لإعادة إطلاق الدور الأمريكي كوسيط بين مصر وإثيوبيا، بهدف التوصل إلى حل نهائي لأزمة تقاسم مياه نهر النيل، في ظل استمرار الخلافات حول سد النهضة الإثيوبي. يأتي هذا العرض في رسالة وجهها ترمب إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، نشرها عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث أثنى على الدور المحوري الذي لعبته القاهرة في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، مشيداً بإدارة مصر للتحديات الأمنية والإنسانية التي واجهت المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023، وتداعياتها المباشرة على الشعب المصري.
وأكد ترمب أن الولايات المتحدة، انطلاقاً من علاقات الصداقة والالتزام بدعم السلام والاستقرار، مستعدة لاستئناف الوساطة بين القاهرة وأديس أبابا من أجل معالجة ملف تقاسم مياه النيل «بصورة مسؤولة ونهائية». وشدد على أن واشنطن تدرك الأهمية الحيوية للنيل بالنسبة لمصر وشعبها، وتسعى إلى المساعدة في التوصل إلى اتفاق يراعي احتياجات مصر والسودان وإثيوبيا على المدى البعيد.
تعد أزمة سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) واحدة من أبرز القضايا الجيوسياسية في منطقة حوض النيل، حيث بدأ بناء السد على النيل الأزرق، أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل، في عام 2011. يهدف المشروع إلى توليد كميات هائلة من الطاقة الكهرومائية لدعم التنمية الاقتصادية في إثيوبيا، التي تعد واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا. ومع ذلك، أثار السد مخاوف عميقة لدى دولتي المصب، مصر والسودان، بشأن حصصهما التاريخية من مياه النيل، التي تعد شريان الحياة الرئيسي لهما. تعتمد مصر بشكل شبه كلي على مياه النيل لتلبية احتياجاتها المائية، بينما يخشى السودان من تأثير السد على سدوده الخاصة ومشاريعه الزراعية.
شهدت الأزمة جولات متعددة من المفاوضات على مدار السنوات الماضية، بما في ذلك وساطة أمريكية سابقة في عهد إدارة ترمب الأولى، ومفاوضات مكثفة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي. تركزت الخلافات بشكل أساسي حول قواعد ملء وتشغيل السد، خاصة في فترات الجفاف، وكيفية ضمان تدفقات مائية كافية لدول المصب دون الإضرار بمصالح إثيوبيا التنموية. هذه المفاوضات لم تسفر عن اتفاق ملزم وشامل حتى الآن، مما أبقى التوترات قائمة وأثار مخاوف من تصاعد الأزمة.
عرض ترمب لاستئناف الوساطة يأتي في وقت حرج، وقد يمثل فرصة لتنشيط المسار الدبلوماسي المتوقف. يعكس هذا العرض اهتماماً دولياً مستمراً بالاستقرار في منطقة حوض النيل، التي تعتبر حيوية للأمن الغذائي والمائي لملايين البشر. الوساطة الأمريكية، إذا استؤنفت بجدية، يمكن أن تضفي ثقلاً دبلوماسياً جديداً على المفاوضات، نظراً لقوة الولايات المتحدة وتأثيرها على الأطراف المعنية.
بالنسبة لمصر والسودان، فإن أي وساطة دولية تهدف إلى اتفاق عادل وملزم يعد أمراً بالغ الأهمية لضمان أمنهما المائي وحماية حقوقهما التاريخية. أما بالنسبة لإثيوبيا، فإن التوصل لاتفاق يضمن حقوقها التنموية في توليد الكهرباء مع مراعاة مصالح دول المصب، سيعزز استقرارها الإقليمي ويفتح آفاقاً للتعاون الاقتصادي الإقليمي.
وشدد ترمب في رسالته على أن الولايات المتحدة ترى أنه لا ينبغي لأي دولة أن تنفرد بالسيطرة على موارد نهر النيل بما يضر بمصالح الدول الأخرى، مؤكداً أن الخبرة الفنية والمفاوضات العادلة والشفافة، إلى جانب دور أمريكي فاعل في التنسيق والرقابة، يمكن أن تفضي إلى اتفاق دائم بين دول حوض النيل. وأشار إلى أن أي تسوية ناجحة يجب أن تضمن تدفقات مائية منتظمة لمصر والسودان خلال فترات الجفاف، وفي الوقت نفسه تمكّن إثيوبيا من توليد الكهرباء، مع إمكانية تقاسم أو تصدير جزء منها إلى دول الجوار. هذا التوازن هو جوهر أي حل مستدام يراعي مصالح جميع الأطراف.
وختم ترمب رسالته بالتأكيد على أن حل التوترات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي يتصدر أولوياته، معرباً عن أمله في ألا يتحول الخلاف القائم إلى صراع عسكري بين مصر وإثيوبيا، في إطار مساعيه لتحقيق سلام مستدام في الشرق الأوسط وأفريقيا. هذا التأكيد يبرز خطورة الوضع وضرورة التوصل إلى حل دبلوماسي سريع وفعال لتجنب أي تصعيد محتمل.


