تتجه أنظار عشاق كرة القدم في القارة السمراء والعالم أجمع نحو العاصمة المغربية الرباط، حيث يستعد ملعب “مولاي عبد الله” لاحتضان قمة كروية تاريخية تجمع بين منتخبي المغرب والسنغال في نهائي كأس أمم أفريقيا 2025. بعد رحلة شاقة ومليئة بالتحديات امتدت قرابة أربعة أسابيع، بلغ “أسود الأطلس” و”أسود التيرانغا” المحطة الأخيرة، ليضربا موعداً حاسماً غداً الأحد، بحثاً عن المجد القاري واللقب الثاني في تاريخ كل منهما. هذه المواجهة لا تمثل مجرد مباراة نهائية، بل هي صراع على الهيمنة الكروية الأفريقية، وتأكيد للمكانة المتنامية لكرة القدم في شمال وغرب القارة.
كأس أمم أفريقيا: إرث وتاريخ عريق
تعتبر كأس أمم أفريقيا، التي انطلقت نسختها الأولى عام 1957، أقدم وأعرق بطولة قارية للمنتخبات في العالم. على مر العقود، تحولت البطولة من مجرد منافسة رياضية إلى احتفالية ثقافية جامعة، تعكس شغف القارة بكرة القدم وتبرز المواهب الأفريقية للعالم. لقد شهدت البطولة لحظات لا تُنسى، وشكلت منصة لانطلاق نجوم عالميين، كما ساهمت في تعزيز الوحدة والتآخي بين الشعوب الأفريقية. الفوز بلقبها يعني تتويجاً بقمة الهرم الكروي الأفريقي، وهو ما يفسر الشغف الكبير الذي يحيط بهذا النهائي المرتقب.
طموح اللقب الثاني: المغرب يستلهم التاريخ والسنغال تسعى لترسيخ الهيمنة
منذ انطلاق البطولة في 21 ديسمبر الماضي، وضع المنتخبان نصب أعينهما الوصول إلى النهائي، واضطر كل منهما لعبور 6 مباريات صعبة قبل بلوغ اللقاء السابع والحاسم. ويسعى الطرفان لمعادلة رصيد منتخبي الجزائر والكونغو الديمقراطية في سجل الأبطال، خلف المنتخب المصري المتربع على القمة بـ7 ألقاب. بالنسبة للمغرب، يمثل هذا النهائي فرصة تاريخية لإعادة أمجاد عام 1976، عندما توج بلقبه الوحيد في البطولة، وإنهاء عقود من الانتظار أمام جماهيره الغفيرة. أما السنغال، فتبحث عن ترسيخ هيمنتها القارية بعد تتويجها بلقب 2021، مؤكدة بذلك مكانتها كقوة كروية صاعدة.
مشوار المغرب: حصانة دفاعية وطموح جماهيري على أرض الوطن
استهل “أسود الأطلس” مشوارهم في البطولة بقوة وثبات، محققين الفوز على جزر القمر بهدفين دون رد، ثم تعادلوا مع مالي في مباراة تكتيكية، قبل أن يختتموا دور المجموعات بانتصار عريض على زامبيا بثلاثية نظيفة، ليتصدروا مجموعتهم برصيد 7 نقاط. هذا الأداء القوي في دور المجموعات عكس جاهزية الفريق ورغبته في الذهاب بعيداً.
تجاوز العقبات بصعوبة وثبات
لم يكن طريق المنتخب المغربي مفروشاً بالورود، فقد عانى في دور الـ16 أمام تنزانيا، لكنه خرج منتصراً بهدف وحيد وسط جدل تحكيمي، ليثبت قدرته على حسم المباريات الصعبة. وفي ربع النهائي، حقق المغرب فوزاً تاريخياً على الكاميرون بثنائية نظيفة، وهو الأول له أمام “الأسود غير المروضة” في أمم أفريقيا، مما عزز ثقة اللاعبين والجماهير. هذا الانتصار لم يكن مجرد عبور للدور التالي، بل كان رسالة قوية عن تطور الكرة المغربية.
ركلات الترجيح تفتح باب النهائي
وفي نصف النهائي، حسم المغرب بطاقة العبور على حساب نيجيريا بركلات الترجيح (4-2)، بعد تعادل سلبي في الوقتين الأصلي والإضافي، ليبلغ النهائي للمرة الثالثة في تاريخه. هذه المباراة أظهرت صلابة الفريق المغربي وقدرته على التعامل مع الضغوط الكبيرة، خاصة مع تألق حارس المرمى ياسين بونو.
دياز وبونو.. نجوم الحسم
يعوّل الجمهور المغربي كثيراً على تألق نجمه براهيم دياز، هداف البطولة بـ5 أهداف، والذي قدم مستويات مبهرة طوال البطولة. فيما يواصل الحارس المتألق ياسين بونو كتابة الأرقام القياسية بعد خروجه بشباك نظيفة في 5 مباريات، واستقبال هدف وحيد فقط طوال البطولة، ليؤكد مكانته كأحد أفضل حراس المرمى في القارة والعالم.
مشوار السنغال: صلابة هجومية وسجل بلا هزائم
بدأ “أسود التيرانغا” البطولة بقوة عبر الفوز على بوتسوانا بثلاثية نظيفة، ثم تعادلوا مع الكونغو الديمقراطية في مباراة مثيرة، قبل أن يستعيدوا نغمة الانتصارات بفوز كبير على بنين، رغم اللعب بعشرة لاعبين في جزء من المباراة. هذا الأداء القوي في دور المجموعات أرسل إشارة واضحة عن طموحات السنغال في الدفاع عن لقبها.
قلب الطاولة في الأدوار الإقصائية
في دور الـ16، قلبت السنغال تأخرها أمام السودان إلى فوز مستحق 3-1، لتظهر شخصية البطل وقدرتها على العودة في أصعب الظروف. ثم تجاوزت مالي بهدف نظيف في ربع النهائي، مستفيدة من النقص العددي لمنافسها، لتواصل مشوارها بثبات نحو النهائي.
إقصاء مصر وبلوغ النهائي الرابع
وحسم منتخب السنغال بطاقة النهائي بعد فوزه على مصر بهدف دون رد في نصف النهائي، ليصل إلى النهائي الرابع في تاريخه، ويواصل سلسلة نتائجه الإيجابية في البطولة. هذا الفوز على أحد عمالقة القارة أكد على قوة السنغال وجاهزيتها للظفر باللقب.
أرقام هجومية ودفاع منظم
سجلت السنغال 12 هدفاً في النسخة الحالية، وهو أفضل رصيد تهديفي لها في تاريخ مشاركاتها، مما يعكس قوتها الهجومية الضاربة. كما حافظت على شباكها نظيفة في 4 مباريات، وتسعى لمواصلة سجلها الخالي من الهزائم للمباراة الـ18 توالياً في أمم أفريقيا، وهو رقم يعكس استقرار الفريق وتماسكه.
مواجهة رقم 32 وتفوق تاريخي مغربي
رغم أن النهائي الحالي هو الأول بين المنتخبين في كأس أمم أفريقيا، إلا أنه اللقاء رقم 32 في تاريخ مواجهاتهما. تشير الإحصائيات إلى تفوق تاريخي للمغرب بـ18 فوزاً مقابل 7 للسنغال و6 تعادلات، مما يضيف بعداً إحصائياً مثيراً للمواجهة. هذا التفوق التاريخي قد يمنح “أسود الأطلس” دفعة معنوية، بينما تسعى السنغال لكسر هذه القاعدة في أهم مباراة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
يتجاوز تأثير هذا النهائي حدود المستطيل الأخضر بكثير. فمحلياً، يمثل الفوز باللقب دفعة هائلة للروح المعنوية في كلا البلدين، ويعزز من مكانة كرة القدم كقوة موحدة للشعوب. بالنسبة للمغرب، استضافة البطولة والوصول للنهائي يبرز قدرتها التنظيمية والبنية التحتية الرياضية المتطورة، مما يعزز صورتها كوجهة رياضية عالمية. أما في السنغال، فإن الفوز المتتالي سيعزز من مكانة جيلها الذهبي ويلهم الأجيال القادمة من اللاعبين.
إقليمياً وقارياً، يساهم هذا النهائي في رفع مستوى التنافسية في كرة القدم الأفريقية، ويؤكد على أن القارة تزخر بالمواهب القادرة على المنافسة على أعلى المستويات. كما أنه يعزز من مكانة كأس أمم أفريقيا كبطولة عالمية المستوى، تجذب أنظار الملايين حول العالم. دول شمال وغرب أفريقيا لطالما كانت قوى كروية، وهذا النهائي التاسع بين منتخبات المنطقتين يؤكد على هذه الحقيقة، ويعد بمواجهة تكتيكية وبدنية عالية المستوى.
دولياً، يمثل هذا النهائي فرصة لعرض المواهب الأفريقية أمام الأندية الكبرى والكشافين العالميين، مما قد يفتح أبواب الاحتراف أمام المزيد من اللاعبين. كما أنه يعزز من مكانة كرة القدم الأفريقية على الساحة العالمية، ويدعم المطالبات بزيادة تمثيل القارة في البطولات الكبرى مثل كأس العالم، بعد الإنجاز التاريخي للمغرب في مونديال قطر 2022. إنه ليس مجرد نهائي، بل هو احتفال بكرة القدم الأفريقية في أبهى صورها.
أرقام نهائية وإرث كروي
يحمل النهائي دلالات تاريخية، كونه التاسع بين منتخبات شمال وغرب أفريقيا، وسط سجل طويل من النهائيات الحاسمة التي كثيراً ما امتدت إلى الأشواط الإضافية وركلات الترجيح، ما يعزز التوقعات بمواجهة مفتوحة حتى اللحظات الأخيرة. كل المؤشرات تدل على أننا على موعد مع مباراة لا تُنسى، ستُضاف إلى سجلات التاريخ الكروي الأفريقي، وتُحدد من هو الملك الجديد أو المؤكد لعرش القارة السمراء.


