الفضة تتراجع بعد قفزة قياسية: هل تستمر في الصعود رغم التهدئة التجارية الأمريكية؟
شهدت أسعار الفضة تراجعاً ملحوظاً بأكثر من 7% في جلسة تداول واحدة، وذلك بعد أن لامست مستوى قياسياً غير مسبوق بلغ 93.75 دولار للأوقية. يأتي هذا الانخفاض الحاد عقب إعلان مفاجئ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتريث في فرض رسوم جمركية على المعادن الحيوية، وفي مقدمتها الفضة والقصدير. يمثل هذا التحول في السياسة التجارية الأمريكية ابتعاداً لافتاً عن لهجته السابقة التي كانت تدعم فرض رسوم فورية، مما أثار موجة من ردود الفعل في الأسواق العالمية.
السياق التاريخي وأهمية الفضة كسلعة استراتيجية
تُعرف الفضة، عبر التاريخ، بدورها المزدوج كمعادن ثمين ومادة صناعية حيوية. لطالما كانت ملاذاً آمناً للمستثمرين في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، تماماً كالذهب، ولكنها تتميز أيضاً بطلب صناعي كبير يجعلها أكثر تقلباً. تاريخياً، شهدت أسعار الفضة تقلبات حادة متأثرة بالسياسات النقدية، النمو الاقتصادي العالمي، والابتكارات التكنولوجية. إن مكانتها كـ “ذهب الفقراء” أو “الذهب الأبيض” تعكس أهميتها الاقتصادية والثقافية على مر العصور. وتعتبر المعادن مثل الفضة والقصدير “حرجة” نظراً لدورها المحوري في الصناعات الدفاعية والأمنية، بالإضافة إلى قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة. هذا التصنيف يبرر الاهتمام الحكومي بضمان استقرار سلاسل إمدادها.
تحول السياسة التجارية الأمريكية وتأثيره على الأسواق
وبحسب تقرير وكالة بلومبيرغ، فضّل البيت الأبيض التوجه نحو الاتفاقيات الثنائية مع الشركاء التجاريين، مع طرح خيار وضع حد أدنى للأسعار بدلاً من فرض ضرائب مباشرة. تهدف هذه الخطوة إلى ضمان استقرار سلاسل الإمداد الحيوية للصناعات الدفاعية والأمنية، وتقليل المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تنجم عن فرض رسوم جمركية مفاجئة. أدى هذا التغيير المفاجئ في السياسة التجارية إلى موجة واسعة من عمليات جني الأرباح، خاصة بعد الارتفاع الصاروخي لأسعار الفضة بنحو 20% خلال أربع جلسات تداول فقط، وتسجيلها مكاسب سنوية تجاوزت 150% خلال العام الجاري. تعكس هذه التقلبات الحادة حساسية سوق السلع الأساسية للقرارات السياسية، حيث يمكن لتصريح واحد أن يغير مسار الأسعار بشكل جذري.
تحليل السوق والتوقعات المستقبلية لأسعار الفضة
يرى محللون اقتصاديون أن التراجع الحالي يعكس في المقام الأول ضغوطاً تقنية ناتجة عن عمليات تغطية المراكز المكشوفة ومتطلبات الهامش، أكثر من كونه مؤشراً على ضعف في أساسيات السوق أو تراجع في الطلب الفعلي. على الرغم من الهبوط الأخير، لا تزال التوقعات متوسطة المدى لأسعار الفضة إيجابية بقوة. يدعم هذه التوقعات عجز هيكلي مستمر في المعروض العالمي، وارتفاع متزايد في الطلب الصناعي، لا سيما من قطاع الطاقة الشمسية الذي يعتمد بشكل كبير على الفضة في تصنيع الألواح الكهروضوئية، بالإضافة إلى تزايد استخدامها في تقنيات الجيل الخامس (5G) والسيارات الكهربائية.
ترقب وحذر في ظل استمرار خيار الرسوم الجمركية
أكد التقرير أن خيار فرض الرسوم الجمركية لا يزال مطروحاً بقوة في حال تعثرت المفاوضات التجارية أو لم يتم التوصل إلى اتفاقيات مرضية. هذا الوضع يبقي الأسواق في حالة ترقب وحذر خلال الفترة القادمة، حيث يظل مستقبل أسعار الفضة معلقاً بين ديناميكيات العرض والطلب الأساسية، والقرارات السياسية التي قد تعيد تشكيل المشهد التجاري العالمي. إن فهم هذه العوامل المتشابكة أمر بالغ الأهمية للمستثمرين والمتعاملين في سوق المعادن الثمينة.


