spot_img

ذات صلة

آبل وجوجل: تحالف جيميناي لسيري ومستقبل الذكاء الاصطناعي

لا تزال أصداء الصدمة الرقمية تتردد في وادي السيليكون، منذ إعلان شركة آبل عن تعاون أيقوني مع شركة غوغل لاستخدام نموذج الذكاء الاصطناعي جيميناي في تشغيل مزايا «سيري» الجديدة، بعد أن فشلت «آبل» في تطوير نماذجها الخاصة خلال السنوات الماضية. هذا التحالف غير المتوقع بين عملاقي التكنولوجيا يثير تساؤلات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، ويشير إلى تحول استراتيجي كبير في المشهد التكنولوجي العالمي.

لطالما كانت آبل رائدة في دمج التكنولوجيا المتطورة في أجهزتها، لكن رحلتها مع الذكاء الاصطناعي كانت معقدة. فمنذ إطلاق سيري في عام 2011، الذي كان يعتبر ثورة في وقته، واجه المساعد الصوتي تحديات في التطور لمواكبة الابتكارات السريعة في هذا المجال. بينما كانت شركات مثل جوجل ومايكروسوفت تستثمر بكثافة في تطوير نماذج لغوية كبيرة (LLMs) وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدت آبل وكأنها تتخلف عن الركب في هذا السباق المحتدم. التقارير المتعددة أشارت إلى صعوبات داخلية واجهتها آبل في بناء نموذجها الخاص الذي يمكنه منافسة عمالقة الذكاء الاصطناعي الآخرين، مما وضعها في موقف حرج مع تزايد توقعات المستخدمين لدمج الذكاء الاصطناعي المتقدم في هواتفهم الذكية.

وبحسب تقرير وكالة «بلومبيرغ»، فإن التعاون بين العملاقين لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ في نوفمبر الماضي، غير أن الإعلان الرسمي أطلق موجات جدلية كبيرة، دفعت قيمة شركة ألفابيت المالكة لـ«غوغل» لتتخطى 4 تريليونات دولار في ساعات قليلة، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذه الشراكة. هذه الصفقة، التي يُقدر أن آبل تدفع بموجبها لغوغل مليار دولار سنويًا، لم يتم الإفصاح عن قيمتها الإجمالية أو مدتها الكاملة، لكنها تؤكد على أن آبل فضلت الشراكة على محاولة اللحاق بالركب بمفردها، وهو قرار يعكس براغماتية عالية في عالم التكنولوجيا سريع التغير.

ورغم خسارة «آبل» الظاهرية في سباق تطوير الذكاء الاصطناعي الأساسي، إلا أن الشركة ركّزت على قوتها الحقيقية: حجم المبيعات الهائل لأجهزتها وقاعدة مستخدميها الوفية. فقد باعت «آبل» خلال العام الماضي أكثر من 247 مليون هاتف، بنمو 6% عن العام السابق، متجاوزة الرقم القياسي عند طرح آيفون 13 عام 2021. هذا يعني أن آبل، بدلاً من استنزاف مواردها في سباق الذكاء الاصطناعي المكلف والمحفوف بالمخاطر، اختارت دمج أفضل ما هو متاح في السوق لتقديم تجربة مستخدم متفوقة فورًا. هذا النهج يسمح لآبل بالاستفادة من الابتكارات السريعة في الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى بناء كل شيء من الصفر، مع التركيز على تكاملها السلس ضمن نظامها البيئي.

في المقابل، تستفيد «غوغل» بشكل كبير من توسيع حضور نموذجها الذكي «جيميناي» في أذهان ملايين المستخدمين حول العالم. فكل جهاز آيفون يستخدم سيري المدعوم بجيميناي يمثل نقطة انتشار جديدة لتقنية جوجل، مما يعزز مكانتها كلاعب رئيسي في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي. يستفيد المستخدمون الآن من الذكاء الاصطناعي عبر «سيري» مدعومًا بنموذج «جيميناي»، مما يعد بتحسينات جذرية في فهم الأوامر، وتقديم إجابات أكثر دقة، وتفاعلات أكثر طبيعية. هذا التعاون يضع جيميناي في واجهة تجربة المستخدم اليومية لملايين الأشخاص، مما يمنح جوجل ميزة تنافسية هائلة في جمع البيانات (مع الحفاظ على الخصوصية) وتحسين نموذجها بشكل مستمر.

ويرى خبراء مثل ويليام كيروين، كبير محللي الأسهم في «مورنينغ ستار»، أن الخطوة تنقذ آبل من أزمة Apple Intelligence، وتعتبر انتصارًا لها بعد الصعوبات التي واجهتها في إستراتيجية الذكاء الاصطناعي. هذا التحالف يمثل حلاً سريعًا وفعالًا لآبل لتقديم قدرات الذكاء الاصطناعي الحديثة لمستخدميها دون تأخير. وبحسب بيان الشركتين، سيعمل «جيميناي» من خلال البنية التحتية لآبل، مع الحفاظ على معايير الخصوصية والحوسبة السحابية، خصوصًا في «سيري». ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف سيؤثر ذلك على باقي خدمات الذكاء الاصطناعي التي قد تقدمها آبل مستقبلاً، وما إذا كانت هذه الشراكة خطوة مؤقتة أم طويلة الأمد في استراتيجية آبل للذكاء الاصطناعي. هذا التعاون قد يفتح الباب أمام شراكات مماثلة في الصناعة، حيث تتجه الشركات نحو الاستفادة من نقاط القوة لدى بعضها البعض لتسريع الابتكار وتقديم أفضل التجارب للمستخدمين.

spot_imgspot_img