في خضم التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة السورية، عقد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية، توم باراك، لقاءات مكثفة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، مع شخصيات كردية بارزة. التقى باراك بقائد قوات سورية الديموقراطية (قسد) مظلوم عبدي، ومن ثم برئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني مسعود بارزاني في مصيف صلاح الدين. هذه اللقاءات تأتي في وقت حرج، حيث تتصاعد التوترات العسكرية على الأرض، خاصة في مناطق غرب الفرات، وتتزايد المخاوف من تصعيد أوسع نطاقاً.
تُعد هذه المباحثات جزءاً من الجهود الأمريكية المستمرة لتهدئة الأوضاع في سورية ومنع التصعيد، والعمل على إيجاد حلول سياسية للملفات الشائكة. وقد أكدت مصادر إعلامية أن المحادثات بين المبعوث الأمريكي وقائد “قسد” ركزت على ملفات رئيسية، أبرزها مستقبل انتشار وتمركز القوات الكردية في المناطق التي شهدت انسحابات مؤخراً، مثل دير حافر وأحياء الشيخ مقصود والأشرفية. كما تناولت المباحثات آليات تنفيذ اتفاق العاشر من مارس الماضي، الذي وقّع بين الحكومة السورية ومظلوم عبدي، والذي يهدف إلى تنظيم التواجد العسكري وتجنب الاحتكاكات، إضافة إلى مناقشة الجوانب العسكرية في ظل حالة التوتر القائمة.
السياق العام والخلفية التاريخية للصراع السوري:
تأتي هذه التطورات في سياق حرب أهلية معقدة وممتدة في سورية منذ عام 2011، تحولت مع مرور السنوات إلى صراع إقليمي ودولي متعدد الأطراف. لعبت قوات سورية الديموقراطية (قسد)، بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، دوراً محورياً في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والسيطرة على مساحات واسعة في شمال وشرق سورية. في المقابل، تسعى الحكومة السورية، بدعم من روسيا وإيران، إلى بسط سيطرتها الكاملة على الأراضي السورية. لطالما كانت مناطق شرق الفرات، الغنية بالنفط والموارد، نقطة جذب وتنافس بين الأطراف المختلفة، مما يجعل أي تغيير في موازين القوى فيها ذا أهمية استراتيجية بالغة.
تصعيد عسكري وإعلان منطقة عسكرية مغلقة:
في الوقت الذي كانت فيه المباحثات جارية في أربيل، أعلنت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري عن سيطرتها الكاملة على مدينة مسكنة شرق حلب، وحقل صفيان النفطي، وعقدة الرصافة، وحقل الثورة بالقرب من مدينة الطبقة، مع التقدم نحو بلدة دبسي عفنان. هذه المكاسب الميدانية تأتي بعد إعلان “قسد” نيتها الانسحاب من حلب، وهو إعلان لم يمض عليه سوى ساعات قليلة حتى اتهم الجيش السوري “قسد” بخرق الاتفاق واستهداف دورية تابعة له قرب مدينة مسكنة، ما أسفر عن مقتل جنديين وإصابة آخرين. رداً على ذلك، أعلن الجيش السوري منطقة غرب الفرات منطقة عسكرية مغلقة، مبرراً ذلك باستهداف القوات الكردية وعناصر من “النظام البائد” للقوات السورية أثناء تطبيقها الاتفاق القاضي بانسحاب عناصر “قسد” من مناطق التماس شرق حلب.
اتهامات متبادلة وتداعيات خطيرة:
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد اتهم بيان الجيش السوري “قسد” وحلفاءها بـ”تلغيم جسر شعيب الذكر” بريف الرقة الغربي، في محاولة لإعاقة تطبيق الاتفاق. وحذر البيان من أن تفجير هذا الجسر سيؤدي إلى تعطيل الاتفاق وستكون له “عواقب وخيمة جداً”. كما ذكر البيان أن قوات حزب العمال الكردستاني (PKK) تنتشر في عدد من القرى والبلدات غرب الفرات، وتعيق تطبيق الاتفاق وتستهدف قوات الجيش العربي السوري، مؤكداً أن الجيش سيواصل بسط سيطرته على مناطق غرب الفرات وسيتعامل بحزم مع أي استهداف لقواته. هذه الاتهامات المتبادلة تسلط الضوء على هشاشة أي تفاهمات سابقة وصعوبة تطبيقها على الأرض.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، يعني إعلان غرب الفرات منطقة عسكرية مغلقة تصعيداً كبيراً قد يؤدي إلى اشتباكات مباشرة وواسعة النطاق بين الجيش السوري وقوات “قسد”، مما يهدد استقرار المناطق المحررة حديثاً ويزيد من معاناة المدنيين. كما أن السيطرة على حقول النفط والمناطق الاستراتيجية تعزز من موقف الحكومة السورية اقتصادياً وعسكرياً. إقليمياً، تثير هذه التطورات قلقاً كبيراً لدى دول الجوار، خاصة تركيا، التي تعتبر التوسع الكردي على حدودها تهديداً لأمنها القومي. وقد يؤدي أي تصعيد إلى تدخلات إقليمية أوسع، مما يزيد من تعقيد المشهد السوري. دولياً، تضع هذه الأحداث الولايات المتحدة أمام تحدٍ دبلوماسي وعسكري، حيث تسعى للحفاظ على استقرار حلفائها الأكراد مع تجنب المواجهة المباشرة مع القوات السورية المدعومة روسياً. كما أن روسيا، اللاعب الرئيسي الآخر في سورية، تراقب عن كثب هذه التطورات، وقد تسعى للوساطة أو استغلال الوضع لتعزيز نفوذها.
الجهود الإنسانية والأمنية:
في سياق متصل، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن ضبط مستودع يحتوي على أسلحة متنوعة وذخائر مختلفة تعود لـ”قسد” في مدينة دير حافر بريف حلب الشرقي، وذلك خلال عمليات المسح الأمني التي تُنفّذها وحدات قوى الأمن الداخلي عقب تأمين المدينة. كما توجهت فرق طبية وسيارات إسعاف مزوّدة بعيادات متنقلة إلى منطقتي دير حافر ومسكنة بالريف الشرقي لتقديم الخدمات الطبية والإسعافية اللازمة للأهالي، وضمان استمرارية الرعاية الصحية. هذه الجهود تعكس محاولة الحكومة السورية لإعادة الحياة الطبيعية إلى المناطق التي استعادت السيطرة عليها، بالتوازي مع العمليات العسكرية والأمنية.
يبقى مستقبل سورية معلقاً على توازن دقيق بين الدبلوماسية والعمل العسكري. فبينما تسعى الولايات المتحدة لتهدئة الأوضاع عبر قنواتها الدبلوماسية، تواصل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية تحركاتها على الأرض، مما يجعل التوصل إلى حل شامل ومستدام تحدياً كبيراً يتطلب جهوداً مكثفة من جميع الأطراف المعنية.


