في خطوة قد تعيد رسم ملامح المشهد الأمني الإقليمي، تتجه الأنظار نحو مساعٍ حثيثة لضم تركيا إلى تحالف دفاعي استراتيجي يجمعها بالمملكة العربية السعودية وباكستان. أكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، ووزير الإنتاج الحربي الباكستاني، رضا حياة هرّاج، التقارير المتداولة حول هذه الخطة الطموحة. وأوضح الوزير الباكستاني أن مسودة اتفاق دفاعي جديد قيد الصياغة حالياً، وذلك بعد جولات مكثفة من المفاوضات بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد استمرت لعشرة أشهر. بينما اكتفى الوزير التركي بتأكيد المحادثات الجارية، مشيراً إلى أنها جزء من منصة أمنية إقليمية شاملة، لكنه أوضح أنه لم يتم توقيع أي اتفاق نهائي بعد.
ينظر دبلوماسيون أوروبيون في بروكسل إلى هذا الاتفاق الثلاثي المرتقب باعتباره خطوة محورية نحو تأسيس محور أمني إسلامي قوي، مصمم على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ويتوقع هؤلاء الدبلوماسيون أن يفتح هذا التحالف آفاقاً واسعة للتعاون في مجالات الصناعات العسكرية المشتركة، وتبادل الخبرات الأمنية، وتنسيق الجهود لمواجهة التحديات والمخاطر المتزايدة التي تهدد الدول الثلاث. كما يرون أنه سيشكل نظاماً إقليمياً جديداً ذا جاذبية لدول أخرى، مع إمكانية انضمام مصر وإندونيسيا مستقبلاً، مما يعكس طموحاً لتوسيع نطاق هذا التكتل الأمني.
تأتي هذه المساعي لتعميق التعاون في سياق علاقات دفاعية راسخة بين المملكة العربية السعودية وباكستان، والتي طالما اتسمت بالتقارب الاستراتيجي والتعاون العسكري الوثيق. فلطالما كانت باكستان شريكاً أمنياً موثوقاً للمملكة، وشهدت العلاقات بين البلدين تدريبات عسكرية مشتركة وتبادلاً للخبرات الدفاعية على مدى عقود. وقد توج هذا التعاون بتوقيع اتفاق دفاعي استراتيجي مشترك في سبتمبر 2025 في الرياض، والذي ينص على أن أي عدوان على أحد البلدين يعتبر اعتداءً على الآخر، مما يضع أساساً متيناً للتحالف الموسع المقترح.
من جانبها، تسعى تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وصناعة دفاعية متطورة، إلى تعزيز دورها كقوة إقليمية مؤثرة. وتتماشى هذه الخطوة مع سياستها الخارجية متعددة الأبعاد، التي تركز على بناء شراكات استراتيجية في مناطق جغرافية حيوية. إن انضمام تركيا إلى هذا المحور الأمني يمنحها نفوذاً أكبر في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويفتح لها أسواقاً جديدة لصناعاتها الدفاعية، فضلاً عن تعزيز قدراتها الأمنية من خلال التعاون مع دولتين إسلاميتين كبيرتين.
وتؤكد تحليلات (بلومبيرغ) أن هذا العهد الأمني الجديد بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد يمتلك القدرة على إعادة تشكيل الديناميكيات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط وما ورائها. فمصالح الدول الثلاث تتقاطع بشكل كبير في جنوب آسيا والشرق الأوسط وأجزاء من القارة الأفريقية، مما يوفر أرضية خصبة للتعاون الاستراتيجي. ومن المتوقع أن تكمل كل دولة جهود الأخرى، حيث يمكن للمملكة العربية السعودية أن تساهم بمواردها المالية الكبيرة، بينما توفر باكستان مظلتها النووية وخبرتها العسكرية، وتشارك تركيا بصناعاتها الدفاعية المتطورة. ورغم التكهنات حول طبيعة هذا التحالف، سواء كان اتفاقاً قائماً بذاته أو توسيعاً للاتفاق الدفاعي الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان الموقع في سبتمبر 2025، إلا أن المحللين يرون أنه لن يؤثر على العلاقات الأمنية الوثيقة القائمة بين هذه الدول والولايات المتحدة. وقد أطلقت عليه بعض الصحف في أنقرة وبروكسل وصف “ناتو مصغّر”، في إشارة إلى طموحه في توفير مظلة أمنية جماعية.
وتعكس هذه المساعي عمق العلاقات الثنائية، فتركيا تعد ثاني أكبر مزود للأسلحة لباكستان، مما يؤكد الشراكة الدفاعية القائمة. وقد وصفت صحيفة (ديلي تايمز) الباكستانية هذه المحادثات بأنها ستعزز أمن باكستان ودبلوماسيتها، معتبرة الاتفاق المنتظر “قفزة استراتيجية” نحو تحقيق تحول إقليمي منشود. وتؤكد التقارير أن المحادثات بين العواصم الثلاث قد قطعت شوطاً بعيداً، مما يشير إلى جدية الأطراف في إنجاز هذا التحالف.
لا يقتصر نطاق هذه المساعي الأمنية على التحالف الثلاثي فحسب، بل يمتد ليشمل قضايا حيوية أخرى، أبرزها أمن البحر الأحمر. يُعد البحر الأحمر ممراً ملاحياً عالمياً بالغ الأهمية، يربط الشرق بالغرب، وتمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. لذا، فإن استقراره وأمنه يمثلان أولوية قصوى للدول المطلة عليه وللمجتمع الدولي بأسره. وتتزايد المخاطر التي تهدد هذا الممر، من القرصنة إلى التوترات الإقليمية ومحاولات بعض القوى الأجنبية بسط نفوذها، مما يستدعي تنسيقاً أمنياً فعالاً.
وفي هذا السياق، يتزامن الحديث عن التحالف الثلاثي مع مناقشات مكثفة تدور في منطقة القرن الأفريقي حول ضرورة تعزيز أمن البحر الأحمر. فقد وردت مناشدات صومالية للمملكة العربية السعودية لإبرام اتفاق أمني مماثل، انطلاقاً من الدور الاستراتيجي للمملكة في ضمان وحدة الصومال واستقرار المنطقة. وأكد دبلوماسيون أن محادثات جارية بالفعل لبناء تحالف أمني يضم مصر والسعودية والصومال، بهدف التصدي للمخاطر التي تهدد أمن البحر الأحمر، وخاصة تلك المرتبطة بالوضع في اليمن. ويرى معلقون صوماليون أن السعودية، بفضل مكانتها كمسّهل موثوق به وشعبيتها الواسعة في الصومال، يمكنها أن تلعب دوراً محورياً في حماية وحدة الصومال وقيادة مفاوضات لإعادة ما يسمى “أرض الصومال” إلى كيان الدولة الموحد. وتوقعت صحيفة (بيزنس إنسايدر) زيارة مرتقبة للرئيس الصومالي حسن شيخ محمد إلى الرياض لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق يتعلق بأمن البحر الأحمر، في إطار مساعٍ لكبح نفوذ دول أخرى تسعى للتسلل إلى هذه المنطقة الاستراتيجية. وقد أكد متحدث باسم الحكومة الصومالية لـ (بلومبيرغ) أن محادثات حول صفقة أمنية جارية، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
إن هذه التحركات الدبلوماسية والأمنية المتعددة الأوجه، سواء على صعيد التحالف الثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا، أو المبادرات الأمنية في البحر الأحمر، تعكس توجهاً إقليمياً نحو تعزيز القدرات الذاتية للدول الإسلامية في مواجهة التحديات الأمنية المعقدة. وتهدف هذه المساعي إلى بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر تكاملاً وفعالية، قادرة على حماية المصالح المشتركة وضمان الاستقرار في مناطق حيوية للعالم.


