كشفت صحيفة «واشنطن بوست» تفاصيل مثيرة حول الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى التراجع عن توجيه ضربة عسكرية وشيكة ضد إيران في منتصف الأسبوع الماضي، في تطور كاد أن يشعل فتيل مواجهة عسكرية واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط. وعزت الصحيفة هذا التراجع المفاجئ إلى رسالة نصية «سرية» وحاسمة بعث بها نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، عباس عراقجي، إلى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف. هذه الرسالة، وفقاً للتقرير، حالت دون صدور أوامر مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتوجيه ضربات عسكرية مكثفة ضد أهداف إيرانية، والتي كانت ستأتي رداً على حملة القمع العنيفة للاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران.
تأتي هذه الأحداث في سياق تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، والتي بلغت ذروتها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018، وفرض حملة «الضغط الأقصى» على إيران. هذه السياسة أدت إلى تدهور اقتصادي حاد في إيران، مما فجر موجة من الاحتجاجات الواسعة في نوفمبر 2019، والتي بدأت اعتراضاً على رفع أسعار الوقود وسرعان ما تحولت إلى مطالبات أوسع بالإصلاح السياسي والاقتصادي. وقد اتسمت هذه الاحتجاجات بقمع حكومي شديد، مما أثار قلقاً دولياً واسعاً ودفع الإدارة الأمريكية إلى التفكير في رد عسكري لحماية المتظاهرين.
ووفقاً لتقرير «واشنطن بوست» الذي نشر أمس السبت، كانت الولايات المتحدة قد أتمت استعداداتها العسكرية لتوجيه ضربة انتقامية، بعد أن اعتبرت طهران قد تجاوزت «الخط الأحمر» الذي وضعه الرئيس ترمب بشأن حماية المتظاهرين وحقوق الإنسان. شملت هذه التحركات العسكرية إعادة تموضع السفن الضاربة الأمريكية نحو منطقة العمليات المركزية في الخليج العربي، ورفع حالة التأهب القصوى في قاعدة «العديد» الجوية الاستراتيجية في قطر، والتي تعد مركزاً حيوياً للعمليات الأمريكية في المنطقة. تزامن ذلك مع إطلاع الرئيس ترمب من قبل مدير الاستخبارات المركزية على تقارير ميدانية مفصلة ومقاطع فيديو توثق التجاوزات الصارخة بحق المحتجين الإيرانيين، مما زاد من الضغط على الإدارة لاتخاذ إجراء حاسم.
في لحظة حرجة، أفصحت الصحيفة أن الدبلوماسي الإيراني البارز عباس عراقجي لجأ إلى قناة اتصال خلفية غير معتادة، عبر إرسال رسالة نصية مباشرة إلى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف. تضمنت الرسالة تعهداً إيرانياً مفاجئاً وغير متوقع بوقف فوري لعمليات قتل المتظاهرين، وإلغاء إعدامات مقررة بحق نحو 800 معتقل من قادة الاحتجاجات. هذه الخطوة الدبلوماسية غير التقليدية كانت بمثابة محاولة يائسة لنزع فتيل الأزمة المتصاعدة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن الرسالة كانت كفيلة بـ«نزع فتيل الانفجار»، إذ قرر الرئيس ترمب تأجيل الهجوم العسكري لمراقبة مدى التزام طهران بتعهداتها. وفي تصريح للصحفيين، قال ترمب: «سنراقب ونرى»، لافتاً إلى تلقيه معلومات تفيد بتوقف العنف من «الجانب الآخر». هذا القرار عكس انقساماً حاداً داخل الإدارة الأمريكية، حيث دفع صقور الإدارة نحو استغلال الفرصة لتقويض النظام الإيراني عسكرياً، بينما حذّر فريق آخر يقوده ويتكوف ورئيسة الموظفين سوزي وايلز من التداعيات الكارثية لحرب شاملة قد تزعزع استقرار الحلفاء العرب في المنطقة وتؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي وأسواق النفط.
على الصعيد الإقليمي والدولي، كان من شأن أي ضربة عسكرية أمريكية أن تؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، قد يشمل هجمات انتقامية إيرانية ضد مصالح أمريكية أو حلفاء في المنطقة، وربما يؤثر على حرية الملاحة في مضيق هرمز الحيوي. إن تجنب هذا التصعيد، حتى لو كان مؤقتاً، كان له أهمية كبرى في الحفاظ على استقرار إقليمي هش وتجنب كارثة إنسانية واقتصادية محتملة. كما سلط الضوء على أهمية القنوات الدبلوماسية الخلفية في أوقات الأزمات، حتى بين الخصوم.
في مقابل ذلك، سارعت طهران إلى النفي الرسمي لهذه الأنباء، ووصف عراقجي نفسه في مقابلات مع وسائل إعلام دولية الأنباء عن الإعدامات الجماعية بأنها «معلومات مضللة» تهدف لاستفزاز الجانب الأمريكي وتبرير أي عمل عسكري محتمل. وتوعد المدعي العام في طهران برد رادع على أي عبث بسيادة بلاده، معتبراً الاحتجاجات الداخلية نتاج تدخل خارجي ومؤامرات تستهدف زعزعة استقرار الجمهورية الإسلامية. هذا التناقض في المواقف يبرز التعقيدات المحيطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية، حيث تبقى الثقة منعدمة والتوترات كامنة، بانتظار أي شرارة جديدة قد تعيد المنطقة إلى حافة الهاوية.


