كشف مسؤول إيراني عن حصيلة جديدة ومثيرة للقلق لضحايا الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد، مؤكداً أن السلطات قد تحققت في مقتل ما لا يقل عن 5 آلاف شخص، من بينهم نحو 500 من أفراد الأمن. تأتي هذه الأرقام في سياق اضطرابات واسعة النطاق شهدتها إيران، والتي تُعد من بين الأسوأ في تاريخ الجمهورية الإسلامية الحديث.
تُشير هذه الأرقام إلى حجم العنف الذي صاحب موجة الاحتجاجات الأخيرة، والتي اندلعت في سبتمبر 2022 عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق. سرعان ما تحولت وفاة أميني إلى شرارة أشعلت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” التي طالبت بحقوق أوسع وحريات مدنية، وتحدت بشكل مباشر سياسات الحكومة الإيرانية، بما في ذلك قانون الحجاب الإلزامي. امتدت المظاهرات لتشمل عشرات المدن والبلدات في جميع أنحاء البلاد، وشهدت مشاركة غير مسبوقة من النساء والشباب.
واتهم المسؤول الإيراني، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، “إرهابيين ومثيري شغب مسلحين” بـ”قتل الإيرانيين الأبرياء”، مشيراً إلى أن بعضاً من أعنف الاشتباكات وأعلى عدد من الضحايا سُجلت في المناطق الكردية الإيرانية شمال غرب البلاد، حيث ينشط انفصاليون أكراد. ويُعد هذا الاتهام جزءاً من خطاب رسمي إيراني متكرر يلقي باللوم على قوى خارجية وجماعات مسلحة في تأجيج الاضطرابات الداخلية.
وفي سياق متصل، توقع المسؤول ألا يرتفع العدد النهائي للضحايا بشكل حاد، متهماً إسرائيل وجماعات مسلحة في الخارج بتقديم الدعم والتسليح للمشاركين في الاحتجاجات. هذه الاتهامات تعكس التوتر المستمر في العلاقات الإيرانية مع القوى الغربية وبعض دول المنطقة، وتؤكد الرواية الرسمية التي ترى في الاحتجاجات مؤامرة خارجية تستهدف استقرار البلاد.
على الصعيد الدولي، كان للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب موقف حازم، حيث هدد مراراً بالتدخل وتوعد باتخاذ “إجراء قوي للغاية” إذا أقدمت إيران على إعدام محتجين. ومع ذلك، شكر ترامب لاحقاً قادة طهران في منشور على منصته “تروث سوشيال”، قائلاً إنهم “تخلوا عن فكرة الإعدام الجماعي”، وهو ما نفته إيران مؤكدة أنه لم تكن هناك خطة لإعدام الناس شنقاً. وفي مقابلة مع مجلة بوليتيكو، دعا ترامب إلى “البحث عن قيادة جديدة في إيران”، مما يعكس رغبة في تغيير النظام.
من جانبه، ألقى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي بالمسؤولية على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الاحتجاجات، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل، “أعداء إيران القدامى”، بتنظيم أعمال العنف. وأشار خامنئي إلى أنهم “أشعلوا حرائق ودمروا ممتلكات عامة وحرضوا على الفوضى وارتكبوا جرائم وأطلقوا افتراءات خطيرة”. وأكد خامنئي أن إيران “لن تجر البلاد إلى الحرب، لكنها لن تدع المجرمين المحليين أو الدوليين يفلتون من العقاب”، مما يشير إلى عزم السلطات على قمع أي محاولات لزعزعة الاستقرار.
في المقابل، قدمت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية المستقلة «هرانا»، ومقرها فيرجينيا بالولايات المتحدة، أرقاماً مختلفة، حيث أفادت بأنها تحققت من مصرع 3090 شخصاً، بينهم 2885 متظاهراً، بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 22 ألف شخص. يُبرز هذا التباين الكبير بين الأرقام الرسمية وتلك الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان حجم التحدي في الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة حول الوضع في إيران، ويسلط الضوء على المخاوف الدولية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.
تُشكل هذه الاحتجاجات وما صاحبها من ردود فعل داخلية ودولية نقطة تحول مهمة في المشهد السياسي الإيراني. فعلى المستوى المحلي، كشفت عن عمق الاستياء الشعبي والتحديات التي تواجهها الحكومة في إدارة التطلعات المتزايدة للشباب والنساء. إقليمياً ودولياً، زادت هذه الأحداث من عزلة إيران ووضعتها تحت ضغط أكبر من المجتمع الدولي، خاصة فيما يتعلق بسجلها في مجال حقوق الإنسان. كما أن استمرار اتهام القوى الخارجية بتأجيج الاضطرابات يعقد أي جهود دبلوماسية محتملة ويُبقي على حالة التوتر في المنطقة.


