spot_img

ذات صلة

محمية الأمير محمد بن سلمان تعيد توطين الحبارى الآسيوي

في إنجاز بيئي بارز يؤكد التزام المملكة العربية السعودية الراسخ بالحفاظ على التنوع البيولوجي واستعادة النظم البيئية الطبيعية، أعلنت محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية عن إعادة توطين طائر الحبارى الآسيوي النادر ضمن حدودها. تأتي هذه الخطوة التاريخية بعد غياب دام لأكثر من 35 عامًا عن المحمية، لتشكل جزءًا حيويًا من مهمتها الأوسع لإعادة الحياة الفطرية الغنية إلى شبه الجزيرة العربية.

تُعدّ هذه المبادرة تتويجًا لنهج علمي متجدد ومدروس بعناية، يهدف إلى حماية طائر لطالما شكّل جزءًا لا يتجزأ من النسيج الثقافي والتاريخي لشبه الجزيرة العربية على مدى آلاف السنين. فالحبارى، بما يحمله من رمزية للصمود والجمال الصحراوي، لم يكن مجرد طريدة للصقارين، بل كان حاضرًا في الشعر والأمثال الشعبية، ومكونًا أساسيًا من التراث الحي للمنطقة.

في إطار هذا المشروع الطموح، جرى إطلاق 20 طائر حبارى آسيوي داخل محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية. وتأتي هذه العملية كثمرة تعاون مستمر ومثمر بين المحمية، والمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، ومؤسسة الأمير محمد بن سلمان للحفاظ على الحبارى. يهدف هذا التعاون الاستراتيجي إلى إنشاء مجموعات برية مستدامة وقادرة على التكاثر الذاتي من طيور الحبارى الآسيوية في المملكة، بما يضمن بقاء هذا النوع للأجيال القادمة.

تاريخيًا، كانت أسراب الحبارى الآسيوي المهاجرة والمقيمة تنتشر على نطاق واسع من مصر شرقًا حتى الصين، وكانت المملكة العربية السعودية إحدى المناطق الرئيسية لتكاثرها بأعداد كبيرة، بينما كانت الطيور المهاجرة تقضي فصل الشتاء في أنحاء شاسعة من شبه الجزيرة العربية. إلا أن العقود الأخيرة شهدت تدهورًا مقلقًا في أعدادها. يصنف الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) اليوم الحبارى الآسيوي ضمن قائمة الأنواع المهددة بالانقراض في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، مع استمرار انخفاض أعداده بشكل حاد على الرغم من الجهود المكثفة للحفاظ عليه وبرامج التكاثر في الأسر التي استمرت لعقود. ونتيجة لذلك، تخلو المملكة اليوم من المجموعات البرية المقيمة، ولا تُشاهد الطيور المهاجرة في سمائها إلا نادرًا على طول حدودها الشمالية والشرقية، مما يبرز الحاجة الماسة لمثل هذه المبادرات لإعادة التوازن البيئي.

وفي هذا السياق، صرح أوليفييه كومبرو، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الأمير محمد بن سلمان للحفاظ على الحبارى، بأن «عملية إطلاق طائر الحبارى الآسيوي في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية تمنح المؤسسة وشركاءها فرصة لا تقدر بثمن لاختبار تقنيات استعادة الحياة الفطرية المتقدمة، وتوليد البيانات اللازمة لتوجيه استراتيجيات الإطلاق المستقبلية في المملكة». وأضاف كومبرو أن «10 طيور زُودت بأجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية، مما سيوفر بيانات أساسية حول قدرة الطيور التي أعيد توطينها على البقاء في البرية، وأنماط حركتها، واستخدامها للموائل، والتهديدات التي قد تواجهها». وأكد أن هذه المعلومات الحيوية ستُستفاد منها في عمليات الإطلاق المستقبلية، ولزيادة أعداد الطيور على المدى الطويل في المملكة والمنطقة ككل، مما يعزز النهج العلمي في الحفاظ على الأنواع المهددة.

تضطلع المحمية بدور محوري في هذا المسعى من خلال إدارتها البحرية والبرية طويلة الأجل، والتي تسهم في تنفيذ عمليات ترميم شاملة للموائل الطبيعية على مساحة شاسعة تبلغ 24,500 كيلومتر مربع. كما يعزز برنامج مفتشي البيئة المتقدم، المدعوم بالمشاركة المجتمعية الفاعلة، من توفير البيئة الآمنة والحماية اللازمة لدعم جهود إعادة التوطين على نطاق واسع، مما يضمن بيئة مثالية لازدهار الحبارى وغيرها من الكائنات الفطرية.

محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية تُعيد توطين طائر الحبارى الآسيوي

لطالما كان الصيد بالصقور في شبه الجزيرة العربية، والذي تُعد طيور الحبارى أبرز طرائده، جزءًا أساسيًا من مشهد الحياة الثقافية في المنطقة منذ آلاف السنين. وقد أدرجت منظمة اليونسكو هذا التراث الإنساني الحي ضمن قائمتها للتراث الثقافي غير المادي في عام 2021، اعترافًا بأهميته العالمية. تاريخيًا، تعايشت المجتمعات المحلية بانسجام مع الدورات الموسمية في الطبيعة، مما ضمن القيام بالصيد في أوقات محددة فقط للحفاظ على استدامة هذا النوع من الطيور. ومع ذلك، أدت الضغوط المتزايدة الناجمة عن فقدان الموائل الطبيعية، والصيد غير المستدام، والصيد الجائر غير المنظم إلى انخفاض سريع ومقلق في أعداد طيور الحبارى منذ منتصف القرن العشرين، مما استدعى تدخلاً عاجلاً للحفاظ عليها.

لمعالجة هذه المشكلة البيئية والثقافية الملحة، أنشأ الأمير سعود بن فيصل -رحمه الله- أول مركز أبحاث متخصص بإكثار الحبارى في الطائف عام 1985. وقد أسهم هذا المركز بدور رائد في تطوير أساليب التكاثر الفعالة في الأسر، مما فتح آفاقًا جديدة لجهود الحفاظ على هذا الطائر. وبالرغم من انتشار مراكز إكثار الحبارى التي تعمل في جميع أنحاء منطقة الخليج العربي، والعدد الكبير من الطيور التي يتم إنتاجها في الأسر، إلا أن إعادة إنشاء مجموعات برية مكتفية ذاتيًا لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا. وتتمثل رسالة مؤسسة الأمير محمد بن سلمان للحفاظ على الحبارى في العمل على مواجهة هذا التحدي البارز، وتحويل الطيور المنتجة في الأسر إلى مجموعات برية قادرة على البقاء والتكاثر.

من جانبه، أكد أندرو زالوميس، الرئيس التنفيذي لهيئة تطوير محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، أن «الأهمية الثقافية والتاريخية الكبيرة لنشاط الصيد بالصقور في شبه الجزيرة العربية وطيور الحبارى الآسيوية، دفعت إلى إجراء مجموعة من الأبحاث العلمية الدقيقة في إكثار الحبارى على مدى أكثر من 40 عامًا». وأوضح زالوميس أنه «مع زيادة أعداد طيور الحبارى اليوم، يتمثل التحدي الأكبر في الوصول إلى معدلات البقاء على قيد الحياة في البرية اللازمة لتأسيس مجموعات مستدامة». وأضاف: «من خلال استثمارنا وتعاوننا مع مؤسسة الأمير محمد بن سلمان لحماية الحبارى، نلتزم بإعادة توطين مجموعات قابلة للحياة من طيور الحبارى الآسيوية البرية داخل المحمية وفي جميع أنحاء المملكة، مما يعكس رؤيتنا الطموحة لمستقبل بيئي مستدام».

تُعدّ الحبارى الآسيوية النوع الثالث عشر الذي يُعاد توطينه بنجاح في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، ضمن برنامج شامل لإعادة الحياة الفطرية يهدف إلى إعادة 23 نوعًا من الكائنات المحلية إلى نطاق انتشارها التاريخي. هذا البرنامج الطموح لا يقتصر على استعادة الأنواع الفردية فحسب، بل يسعى إلى إعادة بناء النظم البيئية المتكاملة التي تدعم هذه الكائنات، مما يعزز التنوع البيولوجي ومرونة البيئة الصحراوية.

محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية تُعيد توطين طائر الحبارى الآسيوي

تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في إطار الشراكة المستمرة بين المحمية والمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية ومؤسسة الأمير محمد بن سلمان للمحافظة على الحبارى، إلى جانب المحميات الملكية الأخرى. وهي تدعم بشكل مباشر مستهدفات رؤية المملكة 2030 ومبادرة السعودية الخضراء الرامية إلى تعزيز التنوع الحيوي، واستعادة النظم البيئية الصحراوية المتدهورة، وحماية 30% من أراضي المملكة وبحارها بحلول عام 2030. هذه المبادرات تعكس التزام المملكة بتحقيق التنمية المستدامة والريادة البيئية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

يُذكر أن محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية هي واحدة من ثماني محميات ملكية في المملكة العربية السعودية، وتمتد على مساحة شاسعة تبلغ 24,500 كيلومتر مربع، من الحرات البركانية الوعرة إلى أعماق البحر الأحمر غربًا. تربط المحمية بين مشاريع عملاقة مثل نيوم ومشروع البحر الأحمر والعُلا، وتُعد موطنًا لمشروع وادي الديسة التابع لصندوق الاستثمارات العامة ومشروع أمالا التابع لشركة البحر الأحمر العالمية. هذه المشاريع تعكس التزام المملكة بتطوير مناطقها الطبيعية مع الحفاظ على بيئتها.

تضم المحمية 15 نظامًا بيئيًا مختلفًا، وتغطي 1% من المساحة البرية للمملكة و1.8% من مساحتها البحرية. ورغم هذه النسب، فإنها تُشكّل موطنًا لأكثر من 50% من الأنواع البيئية في المملكة، مما يجعلها واحدة من أغنى المناطق الطبيعية في الشرق الأوسط بالتنوع الحيوي. تخضع المحمية لإشراف مجلس المحميات الملكية برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، وهي جزءٌ لا يتجزأ من برامج المملكة الطموحة للاستدامة البيئية، مثل مبادرتا السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، التي تهدف إلى تحويل المملكة والمنطقة إلى نموذج عالمي في الحفاظ على البيئة ومكافحة التغير المناخي.

spot_imgspot_img