شهدت السوق المالية السعودية نموًا استثنائيًا في أصول الصناديق الاستثمارية العامة المحلية والأجنبية، حيث سجلت قيمة هذه الأصول ارتفاعًا سنويًا ملحوظًا بنسبة 36.1%، أي بزيادة تُقدَّر بـ 57.9 مليار ريال سعودي. وبحلول نهاية الربع الثالث من عام 2025، بلغت القيمة الإجمالية للأصول نحو 217.9 مليار ريال، مقارنة بـ 160.1 مليار ريال للفترة المماثلة من عام 2024. هذا النمو يعكس ديناميكية السوق وثقة المستثمرين المتزايدة في الاقتصاد السعودي.
لم يقتصر النمو على المستوى السنوي فحسب، بل حققت قيمة الأصول أيضًا نموًا ربعيًا بنسبة 5.7%، بزيادة تُقدَّر بـ 11.7 مليار ريال، مقارنة بـ 206.2 مليار ريال بنهاية الربع الثاني من العام الحالي. هذه الأرقام، التي صدرت وفقًا لبيانات النشرة الإحصائية الربعية لهيئة السوق المالية للربع الثالث من عام 2025، تؤكد الزخم الإيجابي الذي تشهده الصناديق الاستثمارية في المملكة، وتبرز كفاءة الإدارة المالية والجاذبية الاستثمارية للسوق.
تزايد أعداد المشتركين وتنوع الأصول يعززان السوق
تزامنًا مع نمو الأصول، ارتفع عدد المشتركين في الصناديق الاستثمارية العامة ليبلغ 1,593,663 مشتركًا، محققًا نموًا سنويًا بنسبة 1.5%، بزيادة تجاوزت 23 ألف مشترك عن الفترة المماثلة من العام الماضي. هذا التوسع في قاعدة المستثمرين يعكس جاذبية هذه الصناديق وقدرتها على استقطاب شرائح أوسع من المجتمع، مما يعزز الشمول المالي ويزيد من مشاركة الأفراد في السوق المالية.
كان هذا النمو مدعومًا بشكل أساسي بارتفاع الأصول الاستثمارية المحلية، التي سجلت نموًا سنويًا بنسبة 39%، بزيادة تُقدَّر بـ 52.4 مليار ريال، ليبلغ إجماليها نحو 186.9 مليار ريال. وتمثل الأصول المحلية ما نسبته 86% من إجمالي قيمة الأصول، مما يؤكد قوة الاقتصاد المحلي ودوره المحوري في دفع عجلة النمو. في المقابل، سجلت الأصول الاستثمارية الأجنبية نموًا سنويًا بنسبة 21.1%، بزيادة تجاوزت 5 مليارات ريال، لتبلغ 31.1 مليار ريال، ممثلة ما نسبته 14.3% من إجمالي قيمة الأصول، مما يشير إلى استمرار جاذبية السوق السعودية للمستثمرين الدوليين.
كما شهدت أعداد الصناديق الاستثمارية العامة نموًا سنويًا بنسبة 11.6%، بزيادة 36 صندوقًا استثماريًا، ليصل إجماليها إلى 346 صندوقًا. وتوزعت أصول هذه الصناديق على 12 نوعًا استثماريًا متنوعًا، تصدّرتها أصول صفقات أسواق النقد المحلية بقيمة 75.6 مليار ريال (34.7%)، تلتها أصول الأسهم المحلية بقيمة 46.6 مليار ريال (21.4%)، ثم أصول صناديق الاستثمارات العقارية بقيمة 28.9 مليار ريال (13.3%)، وأخيرًا أصول صناديق في استثمارات أخرى محلية بقيمة 19.6 مليار ريال (9%). هذا التنوع يعكس نضج السوق وقدرتها على توفير خيارات استثمارية متعددة تلبي احتياجات المستثمرين المختلفة.
السياق الاقتصادي ورؤية السعودية 2030: محركات النمو
يأتي هذا النمو المتسارع في أصول الصناديق الاستثمارية في سياق التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، مدفوعة برؤية 2030 الطموحة. تهدف الرؤية إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير سوق مالية متقدمة وجاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية. لطالما عملت هيئة السوق المالية (CMA) على تطوير الأطر التنظيمية لتعزيز الشفافية وحماية المستثمرين، وتبسيط الإجراءات، مما ساهم في بناء الثقة وجذب المزيد من رؤوس الأموال إلى السوق السعودية وجعلها بيئة استثمارية أكثر جاذبية وكفاءة.
الأهمية والتأثير على الاقتصاد المحلي والإقليمي والدولي
يعكس هذا الأداء القوي ثقة المستثمرين المتزايدة في الاقتصاد السعودي وقدرته على تحقيق عوائد مجزية، وهو مؤشر واضح على نجاح الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية. على الصعيد المحلي، تساهم هذه الصناديق في توجيه المدخرات نحو قنوات استثمارية منتجة، مما يدعم المشاريع التنموية الكبرى مثل نيوم، مشروع البحر الأحمر، والقدية، ويخلق فرص عمل جديدة للمواطنين. كما أنها تمكّن شريحة أوسع من الأفراد من المشاركة في نمو السوق المالية، وتوفر لهم خيارات استثمارية متنوعة تتناسب مع مستويات المخاطرة المختلفة، مما يعزز الشمول المالي ويحفز الادخار والاستثمار.
إقليميًا ودوليًا، يعزز هذا النمو مكانة المملكة كمركز مالي رائد في المنطقة، ويجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يعمق اندماج السوق السعودية في الاقتصاد العالمي. إن استمرار هذا الزخم الإيجابي يبشر بمستقبل واعد للسوق المالية السعودية، ويؤكد على قدرتها على تحقيق أهداف رؤية 2030 في بناء اقتصاد مزدهر ومستدام، قادر على المنافسة عالميًا والمساهمة بفاعلية في الاقتصاد العالمي.


