كشفت وكالة بلومبيرغ الأمريكية، نقلاً عن مسودة ميثاق اطلعت عليها، عن تفاصيل مقترح مثير للجدل لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يقضي بإنشاء «مجلس سلام جديد». ووفقاً للتقرير، فإن الدول الراغبة في الحصول على عضوية دائمة في هذا المجلس يُطلب منها المساهمة بمبلغ لا يقل عن مليار دولار نقداً، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل الدبلوماسية الدولية وآليات تمويل السلام.
تُعد هذه المبادرة، التي تأتي في سياق خطة ترمب الأوسع للسلام في الشرق الأوسط، استمراراً لنهجه غير التقليدي في التعامل مع القضايا العالمية. ففي السابق، طرح ترمب ما عُرف بـ «صفقة القرن»، وهي خطة للسلام الفلسطيني الإسرائيلي قوبلت بردود فعل متباينة، مما يعكس استعداده لتحدي الأعراف الدبلوماسية القائمة. هذا المقترح الجديد لمجلس السلام، بمتطلباته المالية الصارمة، يتماشى مع فلسفة «أمريكا أولاً» التي يتبناها ترمب، والتي غالباً ما تربط الدعم الأمريكي والمشاركة الدولية بمساهمات مالية مباشرة من الدول الشريكة.
ووفقاً للوثيقة التي أُرسلت إلى نحو 60 دولة حول العالم، فإن هيكلية العضوية في «مجلس السلام الجديد» تتضمن مستويين: عضوية عادية محدودة بمدة 3 سنوات قابلة للتجديد بقرار من رئيس المجلس، الذي سيكون ترمب نفسه في المرحلة التأسيسية. أما الدول التي تساهم بأكثر من مليار دولار أمريكي خلال السنة الأولى من دخول الميثاق حيز التنفيذ، فتُعفى من هذا الحد الزمني، وتصبح عضويتها دائمة. وتُتخذ القرارات داخل المجلس بأغلبية الأصوات، صوت واحد لكل دولة عضو، لكنها جميعاً خاضعة لموافقة الرئيس، مما يمنح الرئيس صلاحيات واسعة في توجيه عمل المجلس.
يُوصف المجلس بأنه «منظمة دولية تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات». هذا الوصف الواسع يثير تكهنات بأن طموحات المجلس قد تتجاوز نطاقاً جغرافياً واحداً، وربما يشكل نوعاً من «الأمم المتحدة المصغرة» أو هيكلاً موازياً للمنظمات الدولية القائمة، وفقاً لتعليقات دبلوماسيين غربيين. هذا يفتح نقاشاً حول مدى قدرة مثل هذه الهياكل على التعايش مع المؤسسات الدولية الراسخة مثل الأمم المتحدة، التي تعتمد على مساهمات مقدرة من الدول الأعضاء بدلاً من رسوم عضوية مباشرة تمنح نفوذاً دائماً.
ورغم أن المجلس أُطلق في إطار خطة ترمب لإعادة إعمار قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2025، إلا أن مسودة الميثاق لا تذكر غزة صراحة. هذا الغموض يعزز فكرة أن المجلس قد يكون له أجندة أوسع، تتجاوز إعادة الإعمار في منطقة واحدة لتشمل مناطق نزاع أخرى حول العالم. تأتي هذه المبادرة كجزء من المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب الشاملة للسلام في الشرق الأوسط، والتي حصلت على تأييد مجلس الأمن الدولي في نوفمبر 2025، مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، مما يشير إلى قبول دولي محدود ولكن مهم للمبادرة الأوسع.
وأكد مسؤول أمريكي لـ«بلومبيرغ» أن الأموال المجمعة ستُخصص مباشرة لتحقيق أهداف المجلس، خصوصاً إعادة إعمار غزة، التي تتطلب استثمارات ضخمة وجهوداً دولية منسقة. ومع ذلك، أثارت المسودة انتقادات حادة، إذ اعتبرها البعض «محاولة لشراء النفوذ الدولي»، وهو ما يُعرف في الأوساط الدبلوماسية بـ «دبلوماسية دفتر الشيكات»، حيث تُستخدم الموارد المالية للحصول على تأثير سياسي. كما عارضت إسرائيل، على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، بعض تفاصيل التشكيل لعدم التنسيق معها، مما يسلط الضوء على التعقيدات الجيوسياسية في المنطقة.
في المقابل، رد البيت الأبيض على التقرير بوصفه «مضللاً»، مؤكداً أنه لا يوجد حد أدنى إلزامي للعضوية، وأن المليار دولار يمنح فقط «عضوية دائمة للدول التي تظهر التزاماً عميقاً بالسلام والازدهار». هذا التوضيح يحاول تخفيف حدة الانتقادات، لكنه لا يغير من حقيقة أن المساهمة المالية الكبيرة هي المفتاح للحصول على وضع خاص داخل المجلس المقترح. يظل هذا المقترح نقطة محورية في النقاش الدائر حول مستقبل الحوكمة العالمية، ودور القوة الاقتصادية في تشكيل العلاقات الدولية، ومدى فعالية النماذج الجديدة للسلام والأمن في عالم يتسم بالتعقيد والتحديات المتزايدة.


