في تصريحات لافتة تعكس تعقيدات المشهد السوري المتشابك، دعا وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، القيادات “العقلانية” ضمن قوات سورية الديمقراطية (قسد) إلى الانخراط الفاعل في الحلول السياسية المطروحة. وكشف المصطفى، في تصريحات نقلتها قناة “الإخبارية” السورية يوم الأحد، عن وجود “انهيارات” متزايدة في صفوف هذا التنظيم، مشيراً إلى افتقاره لقاعدة اجتماعية حاضنة قوية، وهو ما يضعف موقفه التفاوضي ويزيد من الضغوط الداخلية عليه.
تُعد قوات سورية الديمقراطية (قسد) تحالفاً عسكرياً يهيمن عليه المقاتلون الأكراد، وتحديداً وحدات حماية الشعب (YPG)، التي تعتبرها تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية. تشكلت قسد بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، وسيطرت على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا. هذا الدعم الغربي منحها نفوذاً عسكرياً وسياسياً كبيراً، لكنه في الوقت ذاته وضعها في مواجهة مع الحكومة السورية التي تعتبر وجودها غير شرعي، ومع تركيا التي ترى فيها تهديداً لأمنها القومي. الدعوة السورية لقسد تأتي في سياق محاولات دمشق المستمرة لإعادة بسط سيطرتها على كافة الأراضي السورية، وغالباً ما تتخللها مفاوضات غير مباشرة أو دعوات للاندماج ضمن مؤسسات الدولة.
وشدد الوزير المصطفى على ضرورة أن “تتمايز” قيادات قسد عن “التيارات المرتبطة بأجندات خارجية”، وأن “تغلّب الحلول السياسية ضمن معادلة رابحة للجميع”. هذه الدعوة تعكس رغبة دمشق في فصل المكونات المحلية عن التأثيرات الخارجية، وربما استغلال أي انقسامات داخلية مزعومة داخل قسد لدفع عجلة التسوية السياسية بما يخدم مصالح الحكومة السورية. مزاعم الانهيارات الداخلية وعدم وجود حاضنة شعبية، إن صحت، قد تدفع بعض الفصائل ضمن قسد لإعادة تقييم تحالفاتها وخياراتها المستقبلية، خاصة مع تغير الديناميكيات الإقليمية والدولية.
في سياق متصل ومثير للقلق، أدانت الحكومة السورية، الأحد، “بأشد العبارات” إقدام تنظيم قسد والمجموعات التابعة لحزب العمال الكردستاني على إعدام سجناء وأسرى في مدينة الطبقة بريف محافظة الرقة شمال شرق البلاد، وذلك بعد انسحابهم منها. هذه الاتهامات الخطيرة تأتي لتزيد من حدة التوتر بين الأطراف، وتلقي بظلالها على أي مساعٍ للحل السياسي. مدينة الطبقة، الواقعة على نهر الفرات، تحمل أهمية استراتيجية كبرى، خاصة بوجود سد الطبقة ومطارها العسكري، وكانت مسرحاً لعمليات عسكرية مكثفة.
وأكد بيان صادر عن الحكومة السورية أن إعدام الأسرى والسجناء، ولا سيما المدنيون منهم، يشكل “جريمة مكتملة الأركان” بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر بشكل قاطع استهداف المدنيين أو إعدام الأسرى. وحملت الحكومة السورية تنظيم قسد “المسؤولية الكاملة” عن هذه الجريمة المزعومة، متعهدة بمحاسبة مرتكبيها “قانونياً وعادلاً”، ودعت المجتمع الدولي إلى إدانة هذه الأعمال الوحشية. هذه الدعوات تهدف إلى حشد الرأي العام الدولي والضغط على قسد وحلفائها.
من جانبها، نفت قسد هذه المزاعم بشدة، مدعية أن “قوات تابعة للحكومة السورية ارتكبت جرائم في سجن بالطبقة” بعد سيطرتها على المدينة. هذا التضارب في الروايات يعكس صعوبة التحقق من الحقائق في مناطق النزاع، حيث تتنافس الأطراف على السردية وتتبادل الاتهامات، مما يجعل الحاجة إلى تحقيقات مستقلة وشفافة أمراً ملحاً لضمان العدالة وكشف الحقيقة.
ويأتي هذا التصعيد الدموي ضمن مسلسلٍ متواصل من الممارسات الوحشية التي وثّقتها الجهات الرسمية السورية، بدءاً من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، مروراً بدير حافر شرق المدينة، ووصولاً إلى جريمة إعدام الأسرى المزعومة في الطبقة. هذه الاتهامات المتكررة، إن ثبتت، تؤكد الطابع الإجرامي لتنظيمي قسد وحزب العمال الكردستاني، وتبرز استخدامهما المزعوم للعنف الممنهج كأداة للسيطرة والترهيب في المناطق التي يسيطران عليها، مما يؤثر سلباً على السكان المحليين ويزعزع الاستقرار.
وكانت هيئة العمليات في الجيش السوري قد أعلنت في وقت سابق السيطرة الكاملة على مدينة الطبقة الاستراتيجية ومطارها العسكري الواقع على نهر الفرات وطرد عناصر حزب العمال الكردستاني. استعادة الطبقة تمثل انتصاراً استراتيجياً للحكومة السورية، حيث تعزز سيطرتها على مناطق حيوية في حوض الفرات، وتحد من نفوذ قسد في هذه المنطقة. هذا التطور العسكري يضع مزيداً من الضغط على قسد لإعادة النظر في خياراتها السياسية والعسكرية.
إن تداعيات هذه التطورات تتجاوز الحدود المحلية، فمحلياً، تزيد هذه الأحداث من معاناة المدنيين وتعمق الانقسامات المجتمعية. إقليمياً، قد تؤثر على التوازنات القائمة، خاصة مع تزايد التوتر بين تركيا وقسد، واحتمال تدخلات عسكرية إضافية. دولياً، تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وضمان محاسبة الجناة، وتدعو إلى تكثيف الجهود لإيجاد حل سياسي شامل ينهي الصراع السوري المستمر منذ سنوات طويلة ويحقق الاستقرار والسلام للمنطقة بأسرها.


