لطالما كانت كأس أمم أفريقيا، البطولة الأبرز في القارة السمراء، مسرحاً للشغف الكروي العارم والمنافسات الشرسة التي تتجاوز مجرد المستطيل الأخضر. ففي كل نسخة، تتجلى الروح الأفريقية الفريدة، ممزوجة بالمهارة العالية والندية الكبيرة. ومع تصاعد حدة المنافسة، خاصة في الأدوار الإقصائية والنهائيات، يصبح كل تفصيل صغيراً محط أنظار وتدقيق، وقد يتحول إلى نقطة جدل واسعة. وفي نسخة 2023 (التي أقيمت مطلع عام 2024)، لم تكن المناشف مجرد أدوات عادية لتجفيف القفازات، بل تحولت إلى بؤرة لـ«حرب خفية» أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي وأثارت تساؤلات عميقة حول النزاهة والروح الرياضية في البطولة القارية.
«حرب المناشف» تثير الشكوك في نهائيات أفريقيا 2023
لم تعد المناشف مجرد أداة رياضية هامشية على أطراف الملاعب، بل تحولت خلال نهائيات كأس أمم أفريقيا 2023 إلى عنصر جدلي أشعل مواقع التواصل وأثار تساؤلات واسعة حول ما يجري بجانب شباك المرمى. فمن واقعة حارس نيجيريا المثيرة للريبة، إلى مشهد منشفة إدوارد ميندي في إحدى المباريات الحاسمة، باتت «المناشف» عنوانًا لأكثر اللحظات توترًا وغموضًا في البطولة القارية.
منشفة ميندي تشعل التوتر في إحدى مباريات أفريقيا
خلال إحدى المواجهات الحاسمة التي جمعت منتخب بلاده السنغال بنظيره المغربي في كأس أمم أفريقيا 2023، تحولت منشفة الحارس السنغالي إدوارد ميندي إلى محور جدل غير مسبوق. وشهدت الدقيقة الثامنة من الوقت المحتسب بدل الضائع تصعيدًا حادًا، بعد احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي، وهو القرار الذي قوبل باعتراضات غاضبة من لاعبي السنغال، وصلت إلى حد الانسحاب المؤقت من أرضية الملعب احتجاجًا، قبل أن يعودوا لاستكمال اللقاء.
ومع استئناف اللعب، تفجرت أزمة جديدة بعيدًا عن عدسات البث الرئيسية، بعدما أصر لاعبو المنتخب المغربي على إبعاد منشفة ميندي من محيط مرماه، معتبرين وجودها محاولة محتملة للتشويش أثناء تنفيذ ركلة الجزاء. وظهر قائد المنتخب المغربي أشرف حكيمي وهو يحمل المنشفة ويلقي بها بعيدًا عن القائم، قبل أن يتدخل أحد لاعبي «أسود التيرانغا» ويعيدها إلى مكانها، في مشهد عكس حجم الاحتقان الذي سيطر على الدقائق الأخيرة من المباراة. كما التُقطت لقطات أخرى لمحاولة لاعب الوسط إسماعيلي صيباري منع لاعب سنغالي من إعادة وضع المنشفة بجوار المرمى.
ورغم كل الأجواء المشحونة، حافظ إدوارد ميندي على هدوئه اللافت، ونجح في التصدي لركلة الجزاء التي نفذها إبراهيم دياز، في لقطة حاسمة. هذه اللقطة، بغض النظر عن نتيجة المباراة النهائية للبطولة، عززت مكانة ميندي كحارس مرمى موثوق به، وأضافت فصلاً جديداً في تاريخ مواجهاته المثيرة مع المنتخبات الكبرى.
واقعة نيجيريا.. منشفة بجيب «مخفي»
وقبل هذه الواقعة، كانت حادثة مشابهة قد فجّرت موجة جدل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعد تداول مقطع فيديو نشره ناشط مغربي، وثّق فيه تفاصيل وُصفت بـ«الغامضة» حول متعلقات حارس مرمى المنتخب النيجيري ستانلي نوابالي خلال مواجهته أمام المغرب في كأس أمم أفريقيا 2023. وأظهر الفيديو قيام الناشط بفحص منشفة سوداء، قال إنها الثانية التي يتم سحبها من محيط المرمى النيجيري، بعد منشفة بيضاء أولى أبعدها أحد المنظمين التزامًا بالتعليمات التنظيمية المعتمدة.
اللافت في المقطع كان الكشف عن وجود جيب داخلي غير ظاهر داخل المنشفة السوداء، ما فتح باب التساؤلات حول الغاية من تصميمها بهذه الطريقة، خاصة مع تلميحات لاحتمال احتوائها على مقتنيات غير معتادة، دون الجزم بطبيعتها أو استخدامها. هذه الواقعة أضافت طبقة من الغموض إلى البطولة، ودفعت الكثيرين للبحث عن تفسيرات منطقية أو غير منطقية لما قد تحتويه هذه الجيوب.
السياق التاريخي والجدل حول “الروح الأفريقية” في كرة القدم
تاريخياً، لطالما ارتبطت كرة القدم الأفريقية ببعض الجوانب غير التقليدية، مثل المعتقدات الشعبية أو ما يُعرف بـ “السحر الأسود” أو “الجوجو” في بعض الثقافات المحلية. ورغم أن هذه الممارسات لا تحظى باعتراف رسمي، إلا أنها تظل جزءاً من الفولكلور الكروي في القارة، وتظهر أحياناً في شكل طقوس غريبة أو محاولات للتأثير النفسي على الخصوم. هذه الخلفية تزيد من حساسية أي حادثة تبدو غير مألوفة، مثل المناشف ذات الجيوب المخفية، وتجعلها عرضة للتأويلات التي تتجاوز التفسير الرياضي البحت. إن الشغف الكبير باللعبة في أفريقيا، والذي يصل أحياناً إلى حد الهوس، يدفع البعض للبحث عن أي ميزة، مهما كانت صغيرة أو غير تقليدية، لتحقيق الفوز.
بين التفسير الفني والمطالب بالتحقيق: أهمية الحدث وتأثيره
وجاء سحب المناشف في إطار القواعد الصارمة التي تمنع وجود أي أدوات أو أجسام قرب القائمين، تفاديًا لأي تشويش أو استغلال قد يؤثر على سير اللعب. إلا أن تكرار المشهد مع أكثر من حارس، وظهور مناشف ذات خصائص غير تقليدية، دفع المتابعين إلى الانقسام بين اتجاهين.
التيار الأول رأى أن الأمر لا يخرج عن كونه إجراءً تقنيًا معتادًا، حيث يستخدم حراس المرمى المناشف لتجفيف القفازات أو الاحتفاظ بملاحظات صغيرة تتعلق بزوايا تسديد لاعبي الخصم، خصوصًا في ركلات الجزاء. هذا التفسير يرى أن الحراس يبحثون عن أي ميزة قانونية لتحسين أدائهم في اللحظات الحاسمة.
في المقابل، طالب التيار الآخر بتوضيح رسمي أو فتح تحقيق، معتبرًا أن وجود «جيوب مخفية» يتجاوز الإطار الطبيعي للمعدات الرياضية، ويغذي تأويلات مرتبطة بممارسات أو معتقدات غير رياضية لطالما أثارت الجدل في الملاعب الأفريقية. هذا الجدل لا يقتصر على الجانب المحلي أو الإقليمي، بل يمتد ليؤثر على الصورة العامة لكرة القدم الأفريقية على الساحة الدولية، ويضع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) أمام تحدٍ لضمان الشفافية والنزاهة.
صمت «كاف» يضاعف الجدل وتأثيره المستقبلي
وحتى اللحظة، لم يصدر أي تعليق رسمي من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) أو الطاقم التحكيمي المعني، ما أبقى الواقعتين في دائرة الجدل الرقمي والمعطيات المصورة، دون توصيف قانوني أو فني يحسم حقيقة ما جرى، ويضع حدًا لـ«معركة المناشف» التي خطفت الأضواء في كأس أمم أفريقيا 2023. هذا الصمت يثير تساؤلات حول مدى جدية التعامل مع مثل هذه الشكوك، ويترك الباب مفتوحاً أمام التكهنات، مما قد يؤثر على ثقة الجماهير في نزاهة البطولة مستقبلاً. إن معالجة مثل هذه القضايا بشفافية وحزم أمر بالغ الأهمية للحفاظ على سمعة كرة القدم الأفريقية وتعزيز قيم اللعب النظيف.
إن تكرار مثل هذه الحوادث، بغض النظر عن تفسيرها، يستدعي من “كاف” وضع إرشادات أكثر وضوحاً وتطبيقاً صارماً للقوانين المتعلقة بالمعدات الشخصية للاعبين، لضمان عدم وجود أي مجال للشك أو التأويلات التي قد تضر بسمعة اللعبة. فالهدف الأسمى هو أن تبقى كرة القدم الأفريقية رمزاً للمنافسة الشريفة والاحترافية، بعيداً عن أي شبهات قد تعكر صفو متعتها.


