spot_img

ذات صلة

لبنان وإسرائيل: تعثر لجنة الميكانيزم ومستقبل التفاوض

يواجه لبنان مرحلة بالغة الدقة، قد تكون من الأكثر تعقيداً منذ بدء عمل «لجنة الميكانيزم» المشتركة مع إسرائيل، في ظل مؤشرات متزايدة إلى محاولة إسرائيلية لفرض مسار تفاوضي جديد خارج الإطار القائم. هذا التطور يضع لبنان أمام اختبار سياسي وأمني حساس للغاية، ويهدد بتقويض آليات إدارة النزاع القائمة في الجنوب، مما قد يؤدي إلى تصعيد التوترات إذا ما أصر الجانب الإسرائيلي على رفع مستوى المحادثات بعيداً عن صيغة الميكانيزم المعمول بها.

تُعرف «لجنة الميكانيزم» في سياقها الأوسع بالاجتماعات الثلاثية التي تُعقد بشكل دوري في رأس الناقورة برعاية قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). هذه الاجتماعات تمثل القناة الأساسية والحيوية للتنسيق الأمني بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، بهدف معالجة الانتهاكات على طول الخط الأزرق، ومنع التصعيد، وإدارة الحوادث الحدودية. تأسست هذه الآلية كجزء من جهود حفظ السلام بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، وتأكد دورها الحيوي بشكل خاص بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 عام 2006، الذي وضع إطاراً لوقف الأعمال العدائية وتعزيز الاستقرار في المنطقة. تاريخياً، لطالما كانت هذه الاجتماعات بمثابة صمام أمان لمنع الانزلاق نحو صراع أوسع، في ظل غياب اتفاق سلام شامل بين البلدين اللذين لا يزالان في حالة حرب تقنياً منذ توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949.

تعثر سياسي ودبلوماسي معقد

الغموض لا يزال يلف اجتماع لجنة الميكانيزم المرتقب، سواء من حيث موعد انعقاده أو طبيعته. تشير المعلومات إلى أنه في حال انعقد، فمن المرجح أن يكون محصوراً بالشق العسكري فقط، دون مشاركة الأعضاء المدنيين، ما يعكس تعثراً سياسياً واضحاً وخطراً فعلياً بتوقف المسار التفاوضي. هذا التعثر ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج عقبات دبلوماسية وسياسية متشابكة. تتمثل إحدى هذه العقبات في مصير التمثيل الأمريكي داخل اللجنة، حيث لم تحسم واشنطن بعد اسم الشخصية التي ستنوب عن مورغان أورتاغوس، في ظل عدم وضوح ما إذا كانت ستستمر في مهامها أم لا. أما العقبة الثانية، فتتصل بالتباين الأمريكي الفرنسي، إذ تصر باريس على توسيع تمثيلها داخل الميكانيزم عبر إضافة شخصية سياسية دبلوماسية إلى جانب الممثل الحالي، وهو ما ترفضه واشنطن التي تسعى إلى حصر دور اللجنة تمهيداً لتحويلها إلى قناة تفاوض ثنائية بين لبنان وإسرائيل بوجود أمريكي فقط، ومن دون أي أدوار دولية إضافية، مما يقلص من نفوذ الأطراف الأخرى.

مسعى أمريكي إسرائيلي لتغيير قواعد اللعبة

بالتوازي مع هذا التعثر، تشير معطيات متقاطعة إلى مسعى أمريكي إسرائيلي مزدوج. يقوم هذا المسعى من جهة على إعادة الميكانيزم إلى وظيفته التقنية الأساسية، أي مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار والتعامل مع الانتهاكات الميدانية، ومن جهة ثانية رفع مستوى المفاوضات عبر اقتراح تشكيل لجنة سياسية عسكرية مشتركة بين لبنان وإسرائيل. هذه اللجنة الجديدة، المقترح أن تعقد اجتماعاتها خارج المنطقة وبرعاية أمريكية حصرية، ستتولى إدارة ملف التفاوض بهدف إنهاء حالة العداء بين الجانبين وحل الملفات العالقة، بما يفتح الباب أمام تعديل اتفاقية الهدنة لعام 1949. وتكشف المعلومات أن هذا التوجه جاء نتيجة فشل الصيغة الأولى التي اعتمدت عبر إدخال ممثلين مدنيين إلى لجنة الميكانيزم، من دون تحقيق أي خرق حقيقي، في ظل اتساع الهوة بين الشروط الإسرائيلية والموقف اللبناني. كما تردد وصول رسائل إلى أركان الدولة اللبنانية تتضمن طلباً واضحاً برفع مستوى المحادثات، مع تشديد إسرائيلي على أن أي اتفاق جديد يفترض إنهاء حالة العداء بشكل كامل، وربط ذلك صراحة بمطلب التخلص من كل أشكال العمل المسلح، ووضع هذا البند في صلب أي اتفاق أمني جديد، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً للسيادة اللبنانية ومقاومتها.

تحديات لبنانية وتأثيرات إقليمية ودولية

في المقابل، تؤكد مصادر رسمية لبنانية أن موعد اجتماع الميكانيزم لم يتحدد بعد، رغم التحضيرات التي أجراها الرئيس جوزيف عون مع السفير سيمون كرم، مشيرة إلى عوائق كبيرة أبرزها الكباش الأمريكي الفرنسي. وتلفت المصادر إلى أن هذا التعثر السياسي لا ينعكس بالضرورة ميدانياً جنوباً بشكل مباشر، حيث يستمر التنسيق بين الجيش اللبناني والميكانيزم، فيما يقتصر التوتر على طريقة تعامل إسرائيل مع الطرف الفرنسي داخل اليونيفيل. ومع ذلك، فإن تدهور مسار الميكانيزم يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، قد يؤدي إلى زيادة التوتر على الحدود، وتهديد الاستقرار الهش في الجنوب، مما يفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية التي يمر بها لبنان. إقليمياً، يمكن أن يفتح الباب أمام تصعيد أوسع، خاصة مع تزايد حدة التوترات في المنطقة، وقد يؤثر على ديناميكيات الصراع الأوسع. دولياً، يمثل هذا التطور تحدياً لدور الأمم المتحدة واليونيفيل في حفظ السلام، ويضع الدبلوماسية الدولية أمام اختبار حقيقي في قدرتها على إدارة النزاعات المعقدة، خاصة مع تباين مواقف القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا.

في خلاصة المشهد، يقف لبنان أمام مفترق طرق دبلوماسي وأمني متشابك، أبرزها مصير لجنة الميكانيزم، ومستقبل مؤتمر دعم الجيش المقرر في باريس، في ظل إصرار إسرائيل على التفاوض المباشر، ورفضها أي دور للأمم المتحدة أو لفرنسا، مقابل تمسك لبناني حتى الساعة بحصر النقاش في الإطار الأمني المرحلي، ورفض الانزلاق إلى مسار تفاوض سياسي مباشر قد يمس بالسيادة الوطنية. إن الحفاظ على قنوات الاتصال الفعالة أمر بالغ الأهمية لتجنب أي سوء تقدير قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها.

spot_imgspot_img