في خطوة تعكس مرونة الاقتصاد العالمي وقدرته على التكيف مع التحديات المتغيرة، رفع صندوق النقد الدولي (IMF) توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في عام 2026 إلى 3.3%. يمثل هذا الرقم زيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية عن التقديرات الصادرة في شهر أكتوبر الماضي، ويأتي مدفوعًا بعوامل رئيسية تشمل تكيّف الاقتصادات مع الرسوم الجمركية المتغيرة وتواصل الطفرة الاستثمارية في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد أبقى الصندوق على توقعاته لنمو عام 2025 عند 3.3%، ولعام 2027 عند 3.2%، مما يشير إلى مسار نمو مستقر نسبيًا على المدى المتوسط.
يُعد صندوق النقد الدولي، الذي تأسس عام 1944، مؤسسة مالية دولية تضم 190 دولة، وتتمثل مهمته الأساسية في تعزيز الاستقرار المالي العالمي والتعاون النقدي، وتسهيل التجارة الدولية، وتعزيز العمالة العالية والنمو الاقتصادي المستدام، والحد من الفقر في جميع أنحاء العالم. وتُعد تقاريره الدورية، مثل تقرير آفاق الاقتصاد العالمي (World Economic Outlook)، مرجعًا أساسيًا لصناع القرار والمحللين الاقتصاديين حول العالم، حيث تقدم تحليلات وتوقعات شاملة للحالة الاقتصادية العالمية.
تأتي هذه التوقعات الإيجابية في سياق عالمي شهد تقلبات اقتصادية كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية، بدءًا من جائحة كوفيد-19 وتداعياتها على سلاسل التوريد، مرورًا بالضغوط التضخمية غير المسبوقة التي دفعت البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة بشكل حاد، وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية التي أثرت على أسواق الطاقة والغذاء. إن قدرة الاقتصادات على إعادة توجيه سلاسل التوريد، وتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة ساهمت في خفض الرسوم الجمركية، هي مؤشرات على مرونة ملحوظة. على سبيل المثال، أشار الصندوق إلى تراجع المعدل الفعلي للرسوم الجمركية الأمريكية إلى 18.5% بدلاً من نحو 25%، مما خفف من أعباء التجارة الدولية.
على صعيد الاقتصادات الكبرى، توقع الصندوق نمو الاقتصاد الأمريكي في عام 2026 بنسبة 2.4%، مدعومًا بشكل خاص بالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، على الرغم من تخفيض توقعاته لعام 2027 إلى 2.0%. وفي أوروبا، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الإسباني بنسبة 2.3%، بينما أبقى الصندوق على توقعات نمو الاقتصاد البريطاني عند 1.3%. أما في آسيا، فمن المتوقع أن تسجل الصين نموًا بنسبة 4.5% في عام 2026، وهو أعلى بـ 0.3 نقطة مئوية من تقديرات أكتوبر، وذلك بفضل خفض الرسوم الأمريكية وتحويل الصادرات إلى أسواق بديلة. كما توقع الصندوق نمو منطقة اليورو إلى 1.3%، مع تحسن طفيف لليابان، في حين خفض توقعاته للبرازيل إلى 1.6% بسبب تشديد السياسة النقدية.
يُبرز تقرير الصندوق الدور المحوري للذكاء الاصطناعي كقوة دافعة للنمو المستقبلي. فقد أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع النمو العالمي بما يصل إلى 0.3 نقطة مئوية في عام 2026. ومع ذلك، لم يغفل الصندوق الجانب التحذيري، حيث نبه إلى أن هذه التكنولوجيا قد تضغط على التضخم أو تؤدي إلى تصحيح في تقييمات الأسواق المالية إذا لم تتحقق توقعات الإنتاجية المرتبطة بها. هذا التوازن بين التفاؤل والحذر يعكس النظرة الواقعية للمؤسسة تجاه التطورات التكنولوجية السريعة.
وفيما يتعلق بالتضخم، توقع صندوق النقد الدولي استمرار تراجعه العالمي من 4.1% في عام 2025 إلى 3.8% في عام 2026، ثم إلى 3.4% في عام 2027. يُعد هذا التراجع المستمر في معدلات التضخم أمرًا بالغ الأهمية، حيث يفتح المجال أمام البنوك المركزية لتيسير سياستها النقدية تدريجيًا، مما يعني خفض أسعار الفائدة. هذا التيسير النقدي من شأنه أن يدعم الاستثمار والاستهلاك، وبالتالي يعزز النمو الاقتصادي العالمي. إن هذه التوقعات تعطي بصيص أمل بأن الاقتصاد العالمي يتجه نحو مرحلة من الاستقرار والنمو المستدام، مدعومًا بالابتكار التكنولوجي والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية العالمية.


