spot_img

ذات صلة

أزمة غرينلاند: ترامب، أوروبا، والتهديدات التجارية للناتو

بدأت جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، تتصدر واجهة أزمة دبلوماسية واقتصادية غير مسبوقة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد كشفت ألمانيا، مؤخراً، عن استعدادات أوروبية مكثفة لـ”تدابير مضادة” لمواجهة ما وصفته بـ”ابتزاز” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرة أن استفزازاته قد تجاوزت الخطوط الحمراء. هذه الأزمة، التي تتمحور حول مطالبة ترامب بشراء غرينلاند، تهدد بتقويض أسس العلاقات عبر الأطلسي، وتضع مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) على المحك.

تاريخياً، تتمتع غرينلاند بموقع استراتيجي فريد في المحيط المتجمد الشمالي، مما جعلها محط اهتمام القوى الكبرى لقرون. خلال الحرب الباردة، كانت الجزيرة ذات أهمية قصوى للولايات المتحدة كقاعدة عسكرية متقدمة لمراقبة النشاط السوفيتي، ولا تزال تستضيف قاعدة ثول الجوية الأمريكية. هذه الأهمية لم تتضاءل، بل ازدادت في ظل التنافس الجيوسياسي المتزايد في القطب الشمالي، الغني بالموارد الطبيعية غير المستغلة مثل النفط والغاز والمعادن النادرة، والذي يشهد ذوباناً للجليد يفتح ممرات ملاحية جديدة. لطالما أبدت الولايات المتحدة اهتماماً بالجزيرة، وكانت هناك محاولات سابقة لشراء غرينلاند تعود إلى عام 1867، ثم مرة أخرى في عام 1946، مما يؤكد النظرة الأمريكية الطويلة الأمد لأهميتها الاستراتيجية.

في رد فعل حازم، أعلن وزير الاقتصاد الألماني، لارس كلينغبيل، أن الأوروبيين يعكفون على صياغة “تدابير مضادة” قوية لمواجهة تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية التي تعارض مطالبته بالسيطرة على غرينلاند. وأكد كلينغبيل، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفرنسي رولان ليسكور، أن “أوروبا لن ترضخ للابتزاز وستصدر رداً واضحاً وموحداً”. وتشمل هذه التدابير تجميد الاتفاق الجمركي الأمريكي الأوروبي، وفرض رسوم جمركية على منتجات أمريكية مستوردة، ووضع “مجموعة أدوات أوروبية” شاملة للرد على الابتزاز الاقتصادي. ومن الجدير بالذكر أن مسؤولين دنماركيين وأوروبيين أكدوا أن غرينلاند مشمولة بالفعل بميثاق الأمن الجماعي لحلف شمال الأطلسي، مما يضيف بعداً أمنياً معقداً للأزمة.

تصاعدت حدة الانتقادات الأوروبية لتهديدات ترامب، حيث وصفها القادة الأوروبيون بأنها تقوض العلاقات عبر الأطلسي وتنذر بتدهور خطير. وقد أصدرت بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد بياناً مشتركاً يدين هذه التهديدات. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أشار إلى إمكانية تفعيل آلية اقتصادية أوروبية غير مسبوقة لمواجهة ضغوط واشنطن. هذه الرسوم الإضافية، التي قد تبدأ بنسبة 10% وتصل إلى 25%، لا تستهدف فقط الاقتصاد الأوروبي، بل تهدد بتقويض عقود من التعاون الأمني والدبلوماسي بين ضفتي الأطلسي. إن استهداف حلفاء الناتو بهذه الطريقة يثير تساؤلات جدية حول وحدة الحلف وقدرته على مواجهة التحديات العالمية المشتركة، خاصة في وقت تتزايد فيه التوترات مع قوى مثل روسيا والصين.

خلال مشاوراته مع زعماء أوروبيين، شدد ماكرون على أهمية تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه الاقتصادي في حال تنفيذ ترامب لتهديداته. وأفاد مصدر مقرب من ماكرون أن التهديدات التجارية الأمريكية تثير شكوكاً حول صلاحية الاتفاقية الجمركية المبرمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في يوليو الماضي. ويسعى ماكرون إلى تفعيل مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تحد من التقدم للمناقصات العامة، أو الاستثمارات، أو النشاط المصرفي، أو تقييد التجارة في الخدمات – وهو قطاع تتمتع فيه الولايات المتحدة بفائض تجاري كبير مع التكتل، بما في ذلك الخدمات الرقمية – وذلك بهدف حماية مصالح الاتحاد الأوروبي الحيوية.

كشفت صحيفة “تايمز” البريطانية أن أوروبا تمتلك ترسانة من الأدوات لمواجهة ضغوط ترامب، خاصة في القطاعات التي تعتمد فيها الولايات المتحدة على أوروبا أكثر من العكس. يمكن للاتحاد الأوروبي أن يرد على تهديد رفع الرسوم الجمركية بإجراء مماثل، وهو رفع التعريفات على واردات الاتحاد الأوروبي من السلع الأمريكية. ونقلت الصحيفة عن توبياس جيركه، محلل الجغرافيا الاقتصادية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قوله إن القادة الأوروبيين يمكنهم تشجيع مواطنيهم بشكل غير رسمي على الانضمام إلى مقاطعة البضائع الأمريكية، وهو ما حدث بالفعل في كندا وبعض الدول الأوروبية في سياقات سابقة.

يمتلك الاتحاد الأوروبي بعضاً من أكثر قوانين التكنولوجيا والبيانات صرامة في العالم، وقد استخدمها سابقاً لفرض غرامات ضخمة على شركات أمريكية كبرى مثل جوجل لانتهاكها قواعده. ومؤخراً، فرض الاتحاد غرامة على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، بمبلغ 120 مليون يورو لارتكابها انتهاكات متعددة لقانون الخدمات الرقمية. ووفقاً لجيركه، فإن المفوضية الأوروبية لديها القدرة على فرض غرامات تصل إلى 10% من إجمالي الإيرادات العالمية لشركات التكنولوجيا الأمريكية العاملة في أوروبا، بالإضافة إلى إمكانية حظر خدماتها بالكامل في دول الاتحاد الأوروبي، مما يمنح بروكسل نفوذاً كبيراً في هذا القطاع الحيوي.

من الأدوات الأخرى المتاحة لأوروبا، تخفيض مشتريات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي. يذكر أن الاتحاد الأوروبي يشتري نحو نصف صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال، وبالتالي فإن فرض رسوم جمركية عليها أو تقليل الواردات سيلحق ضرراً كبيراً بقطاع الطاقة الأمريكي. ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن مثل هذه الخطوة ستضر أيضاً بالشركات الأوروبية، وخاصة الألمانية، التي كانت تعتمد على الغاز الروسي الأقل سعراً قبل الأزمة الأوكرانية. أكدت “تايمز” أنه “لا يوجد رد فعل انتقامي غير مؤلم ضد الولايات المتحدة”، مشيرة إلى أن أي خطوة اقتصادية تتخذها أوروبا لمعاقبة الولايات المتحدة ستكون لها تكاليفها الخاصة على الجانب الأوروبي، بالإضافة إلى رد فعل انتقامي محتمل من جانب ترامب.

إن هذه الأزمة حول غرينلاند تتجاوز مجرد صفقة عقارية فاشلة؛ إنها تعكس تحولاً عميقاً في العلاقات الدولية، حيث تتزايد النزعات الحمائية والأحادية. تأثيرها المحتمل يمتد من تقويض الثقة بين الحلفاء التاريخيين إلى إضعاف المؤسسات الدولية مثل الناتو ومنظمة التجارة العالمية. على المدى الطويل، قد تدفع هذه المواجهة الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز استقلاليته الاستراتيجية والاقتصادية، بينما قد تعيد تشكيل التحالفات العالمية وتفتح الباب أمام قوى أخرى لملء الفراغ الجيوسياسي. إن الطريقة التي ستُدار بها هذه الأزمة ستحدد ليس فقط مستقبل غرينلاند، بل أيضاً مسار العلاقات الدولية في السنوات القادمة.

spot_imgspot_img