حوار استراتيجي لتعزيز سلاسل قيمة المعادن الحرجة بين السعودية والاتحاد الأوروبي
شهدت الرياض مؤخراً حدثاً محورياً تمثل في الحوار السعودي-الأوروبي للأعمال والاستثمار، الذي عُقد على هامش منتدى مستقبل المعادن. جمع هذا الحوار نخبة من كبار صُنّاع السياسات وقادة القطاع الصناعي والمستثمرين من الجانبين، بهدف أساسي هو تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي والمملكة العربية السعودية عبر سلاسل قيمة المعادن الحرجة. تأتي هذه المبادرة في وقت تتزايد فيه الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لهذه المعادن، التي تُعد عصب التحول الأخضر والرقمي العالمي.
نُظم الحوار ضمن نهج «فريق أوروبا» من قبل مشروع التعاون الأوروبي–الخليجي للتحول الأخضر، وبالتنسيق مع بعثة الاتحاد الأوروبي لدى المملكة العربية السعودية، وغرفة التجارة الأوروبية في المملكة العربية السعودية، وبالتعاون الوثيق مع منتدى مستقبل المعادن، مما يعكس التزاماً مشتركاً بتعزيز الشراكات الفعالة.
الأهمية العالمية للمعادن الحرجة ودورها في المستقبل
تُعد المعادن الحرجة، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، مكونات أساسية في مجموعة واسعة من التقنيات الحديثة، بدءاً من بطاريات السيارات الكهربائية وألواح الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح، وصولاً إلى الأجهزة الإلكترونية المتقدمة وتكنولوجيا الدفاع. ومع تسارع وتيرة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يتزايد الطلب على هذه المعادن بشكل غير مسبوق. يواجه الاتحاد الأوروبي، على وجه الخصوص، تحدياً كبيراً بسبب اعتماده الشديد على واردات المعادن الحرجة من عدد محدود من المصادر، مما يجعله عرضة لتقلبات السوق والمخاطر الجيوسياسية.
طموحات إقليمية أوسع واستجابة الاتحاد الأوروبي
وفر الحوار منصة رفيعة المستوى لاستعراض الإجراءات الأوروبية في إطار قانون الاتحاد الأوروبي للمعادن الحرجة (CRMA) ومبادرة ResourceEU. يهدف قانون CRMA إلى تأمين إمدادات مستدامة وموثوقة من المعادن الحرجة لأوروبا من خلال تنويع المصادر، وتعزيز الاستخراج والمعالجة وإعادة التدوير داخل الاتحاد، وبناء شراكات استراتيجية مع دول غنية بالموارد. هذه المبادرات تتماشى تماماً مع تطلعات المملكة العربية السعودية في مجالات التعدين والصناعة والاستثمار، انسجاماً مع رؤية السعودية 2030 والطموحات الإقليمية الأوسع في دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا.
تركزت المناقشات على تعزيز سلاسل إمداد مرنة ومتنوعة ومسؤولة للمعادن الحرجة، باعتبارها عنصراً أساسياً في مساري التحول الأخضر والرقمي. استعرض المشاركون فرصاً عملية للتعاون الأوروبي–السعودي عبر كامل سلسلة القيمة، بما في ذلك الاستكشاف والتعدين والمعالجة والتكرير وإعادة التدوير والتصنيع في المراحل اللاحقة، إلى جانب تعبئة الاستثمارات الخاصة والتمويل المستدام، مع الالتزام بأعلى المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير الحوكمة (ESG).
المملكة العربية السعودية: شريك رئيسي في مستقبل المعادن
تتمتع المملكة العربية السعودية بثروة معدنية هائلة وغير مستغلة بشكل كامل، مما يجعلها لاعباً استراتيجياً محتملاً في سوق المعادن الحرجة العالمية. تهدف رؤية السعودية 2030 إلى تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وجعل قطاع التعدين الركيزة الثالثة للصناعة الوطنية. ومع وجود احتياطيات كبيرة من النحاس والذهب والفوسفات والبوكسيت، بالإضافة إلى إمكانات واعدة في المعادن الحرجة الأخرى، تسعى المملكة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير قدراتها في جميع مراحل سلسلة القيمة، من الاستكشاف إلى التصنيع المتقدم.
وفي تعليقه على الأهمية الإستراتيجية للحوار، شدد سفير الاتحاد الأوروبي كريستوف فارنو، على الدور المحوري للتعاون الدولي في تنفيذ إطار سياسات الاتحاد الأوروبي للمعادن الحرجة، قائلاً: «مع تقدم الاتحاد الأوروبي في تنفيذ سياسة المعادن الحرجة، يصبح التعاون الدولي أمراً لا غنى عنه لبناء سلاسل قيمة آمنة ومتنوعة ومستدامة، وتُعد المملكة العربية السعودية شريكاً رئيسياً في هذا المسار. ويعكس هذا الحوار التزامنا المشترك بتحويل التقارب في السياسات إلى تعاون ملموس في مجالي الأعمال والاستثمار، بما يدعم التحولين الأخضر والرقمي».
تطوير سلاسل إمداد آمنة ومستدامة
وأضاف نائب المدير العام لإزالة الكربون الصناعي الأوروبي في المديرية العامة للسوق الداخلية والصناعة وريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالمفوضية الأوروبية فالير موتالييه: «يوفر قانون الاتحاد الأوروبي للمعادن الحرجة ومبادرة ResourceEU إطاراً واضحاً لتعزيز مرونة أوروبا، بالتوازي مع تعميق التعاون مع الشركاء الدوليين، ويُعد التعاون مع المملكة العربية السعودية أساسياً لتطوير سلاسل قيمة آمنة ومستدامة ومتنوعة للمعادن الحرجة. وتؤدي مثل هذه الحوارات دوراً محورياً في تحويل الطموحات السياسية إلى تعاون صناعي واستثماري ملموس».
جذب استثمارات نوعية ودفع التنمية المسؤولة
من الجانب السعودي، جرى تأطير الحوار باعتباره مساهمة رئيسية في التحول الصناعي للمملكة وأجندة التنويع الاقتصادي طويلة الأمد ضمن رؤية السعودية 2030، مع تركيز واضح على التنمية المسؤولة للموارد والاندماج في الأسواق العالمية.
وقال نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين في المملكة العربية السعودية المهندس تركي البابطين: “يمثل تطوير مراكز تعدين عالمية تنافسية وسلاسل قيمة مستدامة ركيزة أساسية في رؤية السعودية 2030 والتحول الصناعي للمملكة، ويأتي تفاعلنا مع الاتحاد الأوروبي من خلال هذا الحوار لتعزيز التكامل في المراحل الأولية واللاحقة لسلسلة القيمة، وجذب استثمارات نوعية عالية الجودة، ودفع ممارسات التعدين والمعالجة المسؤولة، كما أن تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي، والاستفادة من ديناميكيات الطلب التي يتيحها قانون الاتحاد الأوروبي للمعادن الحرجة، سيكون عنصراً أساسياً لتحقيق قيمة طويلة الأمد لكلا الجانبين”.
آفاق مستقبلية لشراكة استراتيجية
يمثل هذا الحوار خطوة مهمة نحو بناء شراكة استراتيجية قوية بين المملكة العربية السعودية والاتحاد الأوروبي في قطاع المعادن الحرجة. فمن خلال تضافر الجهود، يمكن للجانبين تحقيق أهداف مشتركة تتمثل في تأمين إمدادات مستقرة ومستدامة لهذه المعادن الحيوية، ودعم التحول نحو اقتصاد أخضر ورقمي، وتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة في كلا المنطقتين. هذا التعاون لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل تبادل الخبرات والتكنولوجيا، وبناء القدرات، والالتزام بالمعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة، مما يرسخ مكانة الشراكة السعودية-الأوروبية كنموذج للتعاون الدولي المسؤول في مواجهة تحديات المستقبل.


