
يستعد المشهد الإعلامي السعودي لاستضافة حدث بارز يتمثل في المنتدى السعودي للإعلام 2026، الذي ينعقد خلال الفترة من 2 إلى 4 فبراير القادم. هذا المنتدى لا يمثل مجرد تجمع للإعلاميين، بل هو منصة إستراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة دور الإعلام ليصبح محركاً أساسياً في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 الطموحة. ففي قلب هذا الحراك الفكري، تبرز رؤية إعلامية متكاملة تتجاوز نقل الخبر لتصنع ملامح المستقبل، وتلتقي الرؤى حول صناعة إعلامية تنهض بالمجتمعات اقتصادياً، وتتكامل مع بناء الإنسان وتنمية المكان في وحدة موضوعية فريدة. هذه الرحلة تبدأ من تمكين التنمية الشاملة وخلق الفرص، وصولاً إلى بناء هوية وطنية راسخة ترتبط بالتخطيط الحضري المستدام والاستثمار السياحي الواعد، ليتحول العمل الإعلامي هنا إلى مهمة تكاملية تدمج بين لغة الأرقام وجماليات الحكاية، لترسم قصة نجاح تعانق الأثر وتصنع الفارق في تفاصيل الحياة اليومية، معلنةً بذلك انطلاق حقبة إعلامية تقود التحول بوعي واقتدار.
يأتي المنتدى في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية، مدفوعة برؤية 2030 التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل، وتطوير القطاعات غير النفطية، وتمكين المجتمع، وتعزيز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً. لطالما كان الإعلام أداة قوية في تشكيل الرأي العام وتوجيه التطلعات، وفي ظل هذه الرؤية، يتضاعف دوره ليصبح شريكاً إستراتيجياً في التنمية الوطنية. إن تطور المشهد الإعلامي السعودي، من وسائل تقليدية إلى منصات رقمية متقدمة، يعكس التزام المملكة بالابتكار والتكيف مع المتغيرات العالمية، مما يجعل المنتدى فرصة حيوية لمناقشة هذه التطورات وتوجيهها نحو خدمة الأهداف الوطنية.
تتناول إحدى الجلسات المحورية، تحت عنوان «الإعلام كقوة محورية في التنمية المجتمعية والاقتصادية»، الدور الفاعل للإعلام في دفع عجلة النمو الاقتصادي، حيث يبرز كشريك أساسي في بناء مجتمعات مزدهرة ومستقرة. تسعى النقاشات الحوارية إلى استعراض الدور الحيوي للمؤسسات الإعلامية في تحفيز التطور الشامل، بوصفها محركاً اقتصادياً يساهم في زيادة الإنتاجية وتعزيز التنافسية في مختلف القطاعات. إن تركيز الخطاب الإعلامي على الجوانب التنموية يساهم في خلق بيئة محفزة للابتكار وريادة الأعمال، ويدعم توجهات الدولة نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. وفي هذا السياق، تبرز الصناعات الإعلامية نفسها كقطاع واعد يوفر آلاف فرص العمل للكوادر الوطنية الشابة، ما يحول الإعلام من مجرد وسيلة للتواصل إلى صناعة إستراتيجية ترفد الاقتصاد الوطني بقيمة مضافة تعزز جودة الحياة ومستويات الرفاهية للمواطنين والمقيمين.
يرتبط نجاح هذه التوجهات بقدرة الوسائل الإعلامية على نشر الوعي وتعزيز القيم المجتمعية الإيجابية التي تشكل سياجاً حامياً للمنجزات الوطنية. يواجه الإعلام التنموي في الوقت الراهن تحديات جسيمة تفرضها البيئة الرقمية المتسارعة وانتشار المعلومات المضللة، الأمر الذي يتطلب تبني أدوات تقنية حديثة ومنهجيات مبتكرة للحفاظ على رصانة المحتوى وتأثيره الإيجابي. إن صياغة رسائل إعلامية تواكب التحول الرقمي وتستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، تضمن وصول المفاهيم التنموية إلى مختلف الفئات العمرية والشرائح المجتمعية، وتسهم في بناء جيل واعٍ ومسؤول يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في مسيرة البناء. وتظل القدرة على التكيف مع المتغيرات التكنولوجية معياراً أساسياً لنجاح الإعلام في تأدية رسالته الأخلاقية والوطنية، ما يجعله صوتاً مسموعاً ومؤثراً في مسيرة البناء المستمر والتنمية المستدامة.
تنتقل الرؤية الإعلامية في جلسة «حين يكون الإعلام مهمة تكاملية للإنسان والمكان» نحو آفاق أرحب، حيث يتحول العمل الإعلامي إلى مهمة تكاملية تجمع بين الإنسان وروح المكان. يعتمد تشكيل الهوية الإعلامية الصادقة على التخطيط الإستراتيجي الذي يربط بين المنجزات الوطنية والأثر الملموس الذي يصل إلى كل فرد في المجتمع. إن توحيد الرؤية الإعلامية يساهم في تعظيم أثر الرسائل الموجهة، ويجعل من القصة السعودية أنموذجاً عالمياً للتطور والارتقاء في مجالات التنمية الحضرية والثقافية. ويعكس هذا التحالف الوثيق بين صناعة القصة وصناعة الأثر رغبة أكيدة في تقديم خطاب إعلامي يتسم بالعمق والشفافية، ويجعل من الإنسان المحور الأساسي لكل رسالة إعلامية تهدف إلى التغيير الإيجابي، مع التركيز على إبراز جماليات المكان وتفرده.
يشكل التخطيط الحضري وتطوير المدن، مثل مشاريع نيوم والقدية والبحر الأحمر، المنطلق الحقيقي لبناء الخطاب الإعلامي المعاصر، حيث يمنح المكان للقصة الإعلامية أبعاداً واقعية وجاذبية خاصة. تساهم قطاعات السياحة والاستثمار في تحويل المقومات الطبيعية والتاريخية والثقافية الفريدة للمملكة إلى سرديات مؤثرة تعزز الحضور الإعلامي القوي على الخارطة الدولية. إن الاستثمار في جماليات المكان وتطوير البنية التحتية يفتح الباب واسعاً أمام المبدعين لصناعة محتوى إعلامي غني يعكس النهضة الشاملة التي تشهدها البلاد، ويرسخ هذا التكامل بين هوية المكان وجاذبية المحتوى قدرة الإعلام على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتنشيط الحركة السياحية، ما يحول المقومات الوطنية إلى قصص نجاح تلهم العالم وتؤكد على ريادة المملكة في مختلف المجالات التنموية والسياحية.
يؤكد المنتدى السعودي للإعلام 2026، عبر هذه المداولات العميقة، أن مستقبل الرسالة الإعلامية يعتمد على قدرتها على صياغة تحالفات إستراتيجية تجمع بين الاقتصاد والثقافة والتخطيط العمراني والتقنية. إن الالتزام بتقديم محتوى إعلامي يوازن بين متطلبات التنمية واحتياجات الإنسان يضمن استدامة الأثر وبناء إعلام قوي ومرن يواجه التحديات بكل ثبات ويغتنم الفرص بذكاء. وتظل هذه الجلسات الحوارية والورش العملية منارة تهتدي بها المؤسسات الإعلامية لتقديم خطاب يليق بطموحات الوطن، ويصنع واقعاً جديداً يتناغم فيه الإنسان مع مكانه في رحلة إبداعية لا تتوقف، مساهماً بفعالية في تحقيق رؤية المملكة الطموحة لمستقبل مشرق.


