تواصل وزارة العدل في المملكة العربية السعودية ريادتها في تطوير منظومة العدالة، وذلك من خلال تطبيق استراتيجية “العدالة الوقائية” المبتكرة. ترتكز هذه المنظومة على تحول جوهري في مفهوم العدالة، ينتقل بها من مجرد معالجة النزاعات بعد وقوعها إلى منع نشوئها من الأساس. يتم تحقيق ذلك عبر تنظيم العلاقات القانونية منذ بدايتها، وتوضيح الحقوق والالتزامات بشكل استباقي، مما يرسخ مبادئ الشفافية والاستقرار في التعاملات.
يُعد هذا التوجه جزءاً لا يتجزأ من رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تهدف إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر وبيئة حكومية فاعلة. فمن خلال تعزيز العدالة الوقائية، تسعى المملكة إلى تحسين بيئة الأعمال والاستثمار، وتقليل المخاطر القانونية، وتوفير بيئة أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والأجانب، مما يدعم النمو الاقتصادي المستدام ويحقق أهداف التنمية الشاملة.
يأتي هذا المسار امتداداً لما دشّنه معالي وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني، في إطلاقات سابقة لعدد من المنتجات القانونية الرائدة. من أبرز هذه المنتجات عقود العمل الموحّدة، وعقود تسجيل الطلاب في المدارس الخاصة، وعقود أتعاب المحاماة. تهدف هذه العقود إلى تنظيم العلاقة التعاقدية منذ اللحظة الأولى لتكوينها، وتمنحها صفة تنفيذية قوية تحفظ الحقوق وتحدّ بشكل كبير من احتمالية نشوب الخلافات والنزاعات المستقبلية، مما يوفر الوقت والجهد على الأطراف المعنية وعلى الجهاز القضائي.
لقد أثبتت هذه المنظومة الوقائية فعاليتها الكبيرة، حيث تم إبرام أكثر من مليون عقد إلكتروني موحّد ضمن إطارها. وقد استفاد من هذه العقود أكثر من 1.2 مليون مستفيد، شملوا أفراداً ومنشآت من مختلف القطاعات. هذا الرقم الكبير يعكس اتساع نطاق التطبيق، ويؤكد على ترسّخ الثقة في هذا النموذج كأداة عملية وفعالة لحماية الحقوق وتأمين التعاملات القانونية منذ بدايتها، مما يعزز من الشفافية ويقلل من الحاجة للتقاضي.
تُجسّد العدالة الوقائية تحوّلاً نوعياً في مفهوم العدالة، حيث تنتقل بها من مجرد الفصل في المنازعات إلى حماية الحقوق قبل نشوئها. هذا التحول لا يقتصر أثره على الأفراد والشركات فحسب، بل يمتد ليشمل المنظومة القضائية بأكملها، من خلال تخفيف العبء على المحاكم وتسريع وتيرة الفصل في القضايا الأكثر تعقيداً. كما أنها تعزز من ثقافة الالتزام والمسؤولية بين الأطراف المتعاقدة، وتوفر بيئة قانونية أكثر استقراراً ووضوحاً.
إن تبني المملكة لهذا النهج الاستباقي في العدالة يضعها في مصاف الدول الرائدة عالمياً في مجال الإصلاح القانوني، ويعكس التزامها بتوفير بيئة قانونية عصرية وفعالة تدعم التنمية الشاملة. فمن خلال جعل العدالة أداة استباقية فاعلة في حماية الحقوق قبل النزاع، تضمن وزارة العدل ليس فقط حل المشكلات، بل منعها من الحدوث أصلاً، مما يعود بالنفع على المجتمع والاقتصاد ككل.


