تواجه نيجيريا، الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في أفريقيا، موجة جديدة ومقلقة من العنف، حيث كشف تقرير أمني صادر عن الأمم المتحدة عن هجوم مروع شنته عصابات مسلحة فجر أمس (الاثنين)، استهدف كنيستين في قرية نائية بولاية كادونا شمال البلاد. أسفر الهجوم عن اختطاف أكثر من 160 شخصاً، غالبيتهم من المصلين والسكان المحليين، في تصعيد خطير للأزمة الأمنية المتفاقمة في المنطقة.
وقع هذا الاعتداء المروع في منطقة كاجورو، التي تُعد من بين المناطق الأكثر تضرراً من أعمال العنف المتكررة في الولاية. اقتحمت مجموعة مسلحة، تستخدم الدراجات النارية كوسيلة للتنقل السريع، الكنيستين خلال ساعات الفجر الأولى أثناء أداء صلاة الصباح. أطلقت العصابات النار عشوائياً، مما أثار الرعب والفوضى، قبل أن تقوم بخطف العشرات من الرجال والنساء والأطفال، في مشهد يعكس وحشية هذه الجماعات.
أكد الأب ماثيو إيشيا، أحد كهنة المنطقة، في تصريح لوسائل إعلام محلية، أن «العدد الأولي للمختطفين تجاوز 160 شخصاً، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات»، مشيراً إلى أن المهاجمين طالبوا بفدية مالية ضخمة مقابل الإفراج عن المخطوفين. هذه المطالب المالية هي السمة المميزة لأنشطة هذه العصابات، التي حولت الاختطاف إلى صناعة مربحة على حساب أرواح الأبرياء.
تصاعد ظاهرة الاختطاف من أجل الفدية في نيجيريا
أورد تقرير أمني داخلي للأمم المتحدة أن الهجوم نفذته على الأرجح إحدى العصابات الإجرامية المعروفة باسم «لصوص الماشية» أو «قطاع الطرق» (bandits)، التي تتخذ من غابات كادونا وزامفارا ملاذاً لها. تجمع هذه العصابات بين أنشطة الاختطاف من أجل الفدية، وسرقة الماشية، والإرهاب المحلي، مما يجعلها تهديداً متعدد الأوجه للأمن والاستقرار في شمال غرب ووسط نيجيريا.
تشهد ولاية كادونا وولايات شمال غرب ووسط نيجيريا الأخرى، مثل زامفارا وكاتسينا وسوكوتو ونايجر، منذ عام 2020 تصاعداً خطيراً في أعمال العنف التي تمارسها هذه العصابات المسلحة. تتكون هذه المجموعات الإجرامية غالباً من شباب رعاة سابقين أو عناصر انفصالية محلية، وتتميز باستخدامها للأسلحة الثقيلة وقدرتها على التحرك بسرعة عالية على الدراجات النارية، مما يصعب على قوات الأمن ملاحقتها.
السياق التاريخي والجذور المعقدة للأزمة الأمنية
تُعد هذه الهجمات جزءاً من أزمة أمنية أوسع وأكثر تعقيداً تضرب نيجيريا، وتعود جذورها إلى عقود من الإهمال الحكومي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والصراعات الرعوية-الزراعية على الموارد. ففي الشمال، أدت التغيرات المناخية والتصحر إلى تفاقم التنافس على الأراضي والمياه بين الرعاة والمزارعين، مما غذى العنف وأسهم في ظهور جماعات مسلحة تستغل الفراغ الأمني. كما أن انتشار الأسلحة الخفيفة والثقيلة، نتيجة للصراعات الإقليمية في دول مثل ليبيا، سهل على هذه العصابات تسليح نفسها وتوسيع نطاق عملياتها.
على الرغم من أن هذه العصابات تختلف عن جماعات مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا (ISWAP) التي تنشط في شمال شرق البلاد وتتبنى أيديولوجية دينية متطرفة، إلا أن تكتيكاتها العنيفة، بما في ذلك الاختطاف الجماعي، تثير مخاوف من تداخل محتمل أو استلهام بين هذه الجماعات، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
تأثيرات واسعة النطاق على المجتمع والاقتصاد
تستهدف هذه العصابات بشكل متكرر القرى المسيحية والمدارس والكنائس، وتُنفذ عمليات خطف جماعي مقابل فدية. سجلت الأمم المتحدة وحدها أكثر من 3,620 حالة اختطاف في شمال غرب نيجيريا خلال عام 2021 فقط، مما يسلط الضوء على حجم الأزمة. ومن أبرز الحوادث السابقة المشابهة واقعة اختطاف 344 تلميذاً من مدرسة في كانكارا بولاية كاتسينا في ديسمبر 2020، واختطاف أكثر من 200 طالبة من مدرسة في زامفارا في يوليو 2021، وهجمات متكررة على كنائس في كادونا أسفرت عن عشرات القتلى والمختطفين خلال الأعوام 2023-2025.
تتجاوز تداعيات هذه الهجمات الخسائر البشرية المباشرة لتشمل آثاراً اقتصادية واجتماعية مدمرة. فالاختطاف من أجل الفدية يعطل الحياة اليومية، ويجبر المجتمعات على النزوح، ويزيد من انعدام الأمن الغذائي، ويقوض الثقة في المؤسسات الحكومية. كما أن هذه الأزمة الأمنية تؤثر سلباً على الاستثمار الأجنبي وتعيق جهود التنمية في البلاد، مما يفاقم من الفقر والبطالة التي تُعد بدورها عوامل مساعدة على تجنيد الشباب في صفوف هذه العصابات.
دعوات متزايدة للتحرك الحكومي والدولي
تواجه الحكومة النيجيرية انتقادات مستمرة بسبب عجزها عن توفير الأمن في هذه المناطق، على الرغم من الإعلان المتكرر عن عمليات عسكرية واسعة النطاق. يطالب المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بضرورة اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لحماية المدنيين، ومعالجة الأسباب الجذرية للعنف، بما في ذلك الفقر، والتهميش، وضعف سيادة القانون. إن استمرار هذه الهجمات يهدد بتأجيج التوترات الطائفية والدينية، ويزعزع استقرار نيجيريا، مما قد تكون له تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها.


