في خطوة تعكس قلقاً متزايداً بشأن التوجهات الأخلاقية للسياسة الخارجية الأمريكية، وجه ثلاثة من كبار الكرادلة الكاثوليك الأمريكيين رسالة قوية لإدارة الرئيس دونالد ترمب، مطالبين إياها بتبني «بوصلة أخلاقية» واضحة. حذر الكرادلة من أن بعض الإجراءات الحالية قد تفضي إلى معاناة واسعة النطاق بدلاً من تعزيز السلام والاستقرار العالمي، في إشارة واضحة إلى نهج «أمريكا أولاً» الذي يتبناه ترمب.
في بيان مشترك صدر مؤخراً، أكد كل من رئيس أساقفة شيكاغو بليز كوبيتش، ورئيس أساقفة واشنطن روبرت ماكلروي، ورئيس أساقفة نيوارك جوزيف توبين، أن المناقشات الراهنة حول السياسة الخارجية الأمريكية غالباً ما تكون غارقة في «التحيزات والحزبية والمصالح الاقتصادية والاجتماعية الضيقة»، وتفتقر إلى رؤية أخلاقية واضحة تستند إلى مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية. هذا النقد يأتي في سياق تاريخي طويل من تدخل الكنيسة الكاثوليكية في القضايا الاجتماعية والسياسية، مستندة إلى تعاليمها الاجتماعية التي تؤكد على السلام، العدالة، وحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
واستشهد الكرادلة بأحداث محددة أثارت قلقهم، منها التهديدات بالتدخل العسكري في فنزويلا، والتصريحات المتعلقة بالاستحواذ على غرينلاند، وخفض المساعدات الأجنبية. هذه الإجراءات، بحسب بيانهم، تثير أسئلة جوهرية حول استخدام القوة العسكرية ومعنى السلام الحقيقي، محذرين من أنها «تخاطر بإحداث معاناة شاسعة» بدلاً من بناء عالم أكثر سلاماً وعدلاً. كما أشاروا إلى الوضع في أوكرانيا كمثال آخر يبرز الحاجة الملحة لسياسة خارجية تستند إلى مبادئ أخلاقية راسخة.
تستلهم رؤية الكرادلة هذه من تعاليم الكنيسة الكاثوليكية العميقة ومبادئها الاجتماعية، التي لطالما حذرت من مخاطر الصراعات المسلحة ودعت إلى السلام العادل. وفقاً لمبادئ «نظرية الحرب العادلة» الكاثوليكية، يجب أن يكون العمل العسكري «الملاذ الأخير في الحالات القصوى، لا أداة عادية للسياسة الوطنية»، وهو مبدأ يشدد على ضرورة استنفاد كافة الحلول الدبلوماسية والسلمية قبل اللجوء إلى القوة.
السياق التاريخي والجيوسياسي للسياسة الخارجية الأمريكية
يأتي هذا البيان في ظل تصاعد الجدل حول السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية، خاصة مع اقتراب فترة رئاسية ثانية محتملة لترمب بدءاً من عام 2025. لطالما كانت الولايات المتحدة، كقوة عالمية، محط أنظار وتقييم من قبل المؤسسات الدينية والمجتمع المدني. تاريخياً، لعبت الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام حول قضايا مثل الحرب والسلام، حقوق الإنسان، والهجرة، وغالباً ما كانت مواقفها تتحدى السياسات الحكومية عندما تراها متعارضة مع القيم المسيحية.
إن نهج ترمب في السياسة الخارجية، الذي يركز على المصالح الوطنية الضيقة تحت شعار «أمريكا أولاً»، قد أثار انتقادات واسعة لتقليصه دور الدبلوماسية متعددة الأطراف، وانسحابه من اتفاقيات دولية، وتفضيله الصفقات الثنائية. هذا النهج يتناقض بشكل صارخ مع دعوات الكنيسة الكاثوليكية للتعاون الدولي، والتضامن العالمي، والاهتمام بالصالح العام للبشرية جمعاء.
أزمة فنزويلا: التدخل والتبعات الإنسانية
تعد الأزمة الفنزويلية مثالاً بارزاً على التوترات التي أثارتها سياسة ترمب الخارجية. فنزويلا تعاني من أزمة اقتصادية وإنسانية حادة منذ سنوات، وقد سعت إدارة ترمب إلى دعم المعارضة والإطاحة بالحكومة القائمة، بما في ذلك التلويح بخيارات عسكرية. من منظور الكنيسة، فإن أي تدخل عسكري محتمل في بلد يعاني بالفعل من الفقر والاضطرابات السياسية يمكن أن يؤدي إلى تفاقم المعاناة الإنسانية، وزيادة أعداد اللاجئين، وتقويض أي فرص للحل السلمي والديمقراطي. الكرادلة، بموقفهم هذا، يؤكدون على ضرورة إيجاد حلول دبلوماسية تحترم سيادة الدول وتحمي المدنيين.
غرينلاند: صفقة جيوسياسية أم مساومة أخلاقية؟
أما بخصوص غرينلاند، فقد أثارت تصريحات ترمب في عام 2019، وتكرارها مؤخراً، بشأن رغبته في شراء هذه الجزيرة الدنماركية لأغراض استراتيجية، جدلاً واسعاً. فمن منظور أخلاقي، فإن التعامل مع أرض مأهولة بالسكان كسلعة قابلة للبيع والشراء يتجاهل حق تقرير المصير لسكانها وكرامتهم الإنسانية. غرينلاند، ذات الأهمية الجيوسياسية المتزايدة في منطقة القطب الشمالي، ليست مجرد قطعة أرض، بل هي موطن لشعب له ثقافته وهويته، وهذا ما يشدد عليه الكرادلة في دعوتهم لسياسة خارجية تراعي الكرامة الإنسانية فوق المصالح الاقتصادية أو الاستراتيجية الضيقة.
خفض المساعدات الأجنبية: تأثير على التنمية والسلام
كما أشار الكرادلة إلى قرارات خفض المساعدات الأجنبية لدول مثل أوكرانيا وفنزويلا. تعتبر المساعدات الأجنبية أداة حيوية لتعزيز التنمية، وتخفيف الفقر، ودعم الاستقرار في الدول النامية. من منظور الكنيسة الكاثوليكية، فإن خفض هذه المساعدات يتعارض مع مبدأ التضامن العالمي والمسؤولية تجاه الفقراء والمحتاجين، ويمكن أن يقوض جهود بناء السلام والاستقرار على المدى الطويل، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمات بدلاً من حلها.
تأثير البيان ودلالاته
يمثل الكرادلة الثلاثة – كوبيتش، ماكلروي، وتوبين – من أبرز القيادات الكاثوليكية في الولايات المتحدة، ويُعرفون بمواقفهم التقدمية في قضايا الهجرة، والسلام، والعدالة الاجتماعية. بيانهم هذا يعد إحدى أقوى الإدانات الدينية لسياسة ترمب الخارجية منذ عودته المحتملة إلى السلطة، ويأتي في ظل انقسام داخل الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية، حيث يدعم بعض القيادات الأخرى ترمب في قضايا مثل مكافحة الإجهاض. هذا البيان يسلط الضوء على التوتر المستمر بين القيم الدينية والسياسات الحكومية، ويؤكد على الدور المستمر للمؤسسات الدينية كصوت نقدي ومراقب للعدالة والأخلاق في الساحة الدولية.
إن دعوة الكرادلة لـ «بوصلة أخلاقية» في السياسة الخارجية الأمريكية ليست مجرد انتقاد عابر، بل هي تذكير عميق بالمسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق القوى العظمى. إنها دعوة لإعادة تقييم الأولويات، ووضع الكرامة الإنسانية والسلام العالمي في صميم أي استراتيجية دولية، بعيداً عن المصالح الضيقة أو الحزبية.


