أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، عن نيته مناقشة استحواذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، مبرراً ذلك بعدم قدرة الدنمارك على حماية هذا الإقليم الشاسع. تصريحات ترمب، التي أدلى بها للصحفيين في فلوريدا قبل التوجه إلى دافوس، أشعلت جدلاً واسعاً حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الاقتراح غير المعتاد، وتداعياته الجيوسياسية والاقتصادية.
وأكد ترمب على ضرورة “حصول الولايات المتحدة عليها”، مشدداً على أن الدنمارك، رغم كون شعبها “رائعاً” وقادتها “طيبين للغاية”، لا تولي غرينلاند الاهتمام الكافي ولا تذهب إليها حتى، على حد تعبيره. وألمح إلى أن ما سيحدث في دافوس سيكون جديراً بالاهتمام، مشيراً إلى أنه سيتحدث عن رسائل كثيرة في المنتدى، مما يوحي بأن قضية غرينلاند ليست سوى جزء من أجندة أوسع.
خلفية تاريخية وأهمية استراتيجية لغرينلاند
غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، هي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك. تقع في منطقة القطب الشمالي، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي بالغ الأهمية بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي. لم تكن فكرة استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند جديدة تماماً؛ ففي عام 1946، قدمت الولايات المتحدة عرضاً لشراء الجزيرة من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار، وهو العرض الذي رفضته كوبنهاغن آنذاك. يعكس هذا الاهتمام التاريخي الأهمية الجيوسياسية للجزيرة، خاصة في سياق الحرب الباردة.
في العصر الحديث، تزايد الاهتمام بغرينلاند بشكل كبير بسبب ذوبان الجليد في القطب الشمالي، مما يفتح ممرات ملاحية جديدة (مثل الممر الشمالي الغربي) ويجعل الوصول إلى موارد طبيعية هائلة محتملة، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن النادرة، أكثر سهولة. كما أن وجود قاعدة ثول الجوية الأمريكية في غرينلاند يؤكد على الأهمية العسكرية والاستخباراتية للجزيرة بالنسبة للولايات المتحدة، مما يفسر سعي واشنطن لتعزيز نفوذها في هذه المنطقة الحيوية.
تداعيات دولية ومواقف متباينة
أثارت تصريحات ترمب ردود فعل قوية على المستويين الإقليمي والدولي. فقد رفضت الدنمارك وغرينلاند بشكل قاطع فكرة البيع، مؤكدة على سيادة الجزيرة وحقها في تقرير مصيرها. صرح رئيس وزراء غرينلاند ينس فريديريك نيلسن بأن “غرينلاند ليست للبيع”، وهو موقف يعكس الإجماع على الحفاظ على الهوية والاستقلال الذاتي للإقليم. من جانبها، أكدت الحكومة الدنماركية أن غرينلاند جزء لا يتجزأ من المملكة الدنماركية، وأن أي محاولة للاستحواذ عليها مرفوضة تماماً.
لم تقتصر تداعيات تصريحات ترمب على قضية غرينلاند فحسب، بل امتدت لتشمل العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا. فقد توعد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 200% على بعض المنتجات الفرنسية، مؤكداً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سينضم إلى “مجلس السلام”. كما هدد بفرض رسوم جمركية إضافية على ثماني دول أخرى بسبب معارضتها لسيطرة بلاده على غرينلاند، مما أدى إلى تراجع أبرز البورصات الأوروبية.
في سياق متصل، ربط ترمب بين سعيه للسيطرة على غرينلاند وعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام. ففي رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور، أعلن ترمب أنه لم يعد “ملزماً بالعمل فقط من أجل السلام” بعد عدم منحه الجائزة، مشدداً على أن العالم لن ينعم بالأمن طالما أن غرينلاند ليست بين أيدي الولايات المتحدة. وقد أوضح ديوان رئيس الوزراء النرويجي أن هذه الرسالة جاءت رداً على خطاب أعرب فيه ستور والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب عن معارضتهما للزيادات الجمركية المعلنة، مؤكداً أن تسليم جائزة نوبل ليس من مسؤولية الحكومة النرويجية.
من جانبه، دعا الاتحاد الأوروبي إلى “الحوار” بدلاً من التصعيد، مؤكداً أنه يملك “أدوات” ومستعد “للتحرك” إذا نفذ الرئيس الأمريكي تهديداته التجارية. هذه التوترات تسلط الضوء على تعقيدات العلاقات الدولية في ظل إدارة ترمب، حيث تتداخل القضايا الجيوسياسية والاقتصادية والدبلوماسية بشكل معقد، مما يجعل قضية غرينلاند أكثر من مجرد صفقة عقارية محتملة، بل رمزاً لتحولات أعمق في النظام العالمي.


