في خطوة تعكس حرص المملكة العربية السعودية على الارتقاء بمستوى التعليم العالي وتعزيز دوره في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، عقد مجلس الشورى جلسته العادية الثامنة عشرة من أعمال السنة الثانية للدورة التاسعة، برئاسة معالي رئيس المجلس الشيخ الدكتور عبدالله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ. وشهدت الجلسة مناقشات مستفيضة حول أداء عدد من الجامعات السعودية، مع التركيز بشكل خاص على جامعة الملك عبدالعزيز، إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية في المملكة.
تأتي هذه التوجيهات في سياق الإصلاحات الشاملة التي يشهدها قطاع التعليم العالي في المملكة، والتي تهدف إلى مواءمة مخرجات الجامعات مع متطلبات سوق العمل المتغيرة وأهداف رؤية السعودية 2030 الطموحة. ويُعد نظام الجامعات الجديد، الصادر بالمرسوم الملكي ذي الرقم م/27 والتاريخ 2 /3 /1441هـ (الموافق 30 أكتوبر 2019)، حجر الزاوية في هذه الإصلاحات، حيث يمنح الجامعات مزيدًا من الاستقلالية والمرونة الإدارية والأكاديمية والمالية، بهدف تعزيز الابتكار والبحث العلمي ورفع كفاءة الأداء العام. ويهدف هذا النظام إلى تحويل الجامعات إلى محركات للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، قادرة على المنافسة عالميًا.
خلال الجلسة، أصدر مجلس الشورى قرارًا حاسمًا دعا فيه جامعة الملك عبدالعزيز إلى قياس أثر مبادراتها التحولية على تحقيق الجاهزية الكاملة لتطبيق نظام الجامعات الجديد، وتقييم مدى إسهامها في تطبيقه بفاعلية واستدامة. هذا القرار يؤكد على أهمية التقييم المستمر والشفاف لضمان أن تكون الجامعات مستعدة تمامًا للانتقال إلى النموذج الجديد الذي يركز على الحوكمة الرشيدة والتميز الأكاديمي.
وفي صلب التوصيات، طالب المجلس جامعة الملك عبدالعزيز بـتطوير مؤشرات الأداء لتقييم مدى فاعلية الشراكات والاتفاقيات الدولية السارية المفعول. هذه المطالبة تعكس إدراكًا عميقًا لأهمية التعاون الدولي في بناء القدرات البحثية والأكاديمية، وتبادل الخبرات، وتعزيز مكانة الجامعات السعودية على الخريطة العالمية. ففي ظل رؤية 2030، تسعى المملكة إلى بناء اقتصاد معرفي متنوع، وتلعب الشراكات الدولية دورًا محوريًا في تحقيق هذا الهدف من خلال استقطاب أفضل الممارسات العالمية، وتوطين التقنيات المتقدمة، وتوسيع آفاق البحث العلمي المشترك في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والتقنيات الحيوية.
تُعد جامعة الملك عبدالعزيز، بتاريخها العريق وموقعها الريادي، شريكًا أساسيًا في تحقيق هذه التطلعات الوطنية. تأسست الجامعة في عام 1967 كجامعة أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية، ومنذ ذلك الحين وهي تسهم بفاعلية في تخريج الكفاءات وتطوير البحث العلمي. إن تطوير مؤشرات واضحة لتقييم الشراكات الدولية سيضمن أن هذه الشراكات ليست مجرد اتفاقيات شكلية، بل أدوات فاعلة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للجامعة ودعم مسار تطورها المؤسسي، مما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم، ومخرجات البحث العلمي، وقدرة الجامعة على المنافسة عالميًا في التصنيفات الأكاديمية.
جاءت قرارات المجلس بعد استماعه إلى رد من عضو المجلس ورئيس لجنة التعليم والبحث العلمي، الدكتور ناصر طيران، حول الملاحظات التي أبداها الأعضاء تجاه التقرير السنوي لجامعة الملك عبدالعزيز للعام الجامعي 2022. وقد تضمنت الملاحظات آراءً قيمة من أعضاء المجلس، حيث أشارت الدكتورة لبنى العجمي إلى أهمية بناء مؤشرات مباشرة تقيس التجربة العلمية والبحثية والمجتمعية، إلى جانب المؤشرات العامة، لتقديم صورة أشمل عن أداء الجامعة.
كما شدد أعضاء آخرون على جوانب حيوية لتطوير الجامعة. طالب عضو مجلس الشورى عبدالله آل طاوي بتوسيع ربط الجامعة بالمجتمع وتعزيز مشاركتها في المسؤولية المجتمعية، مع التأكيد على أهمية الواجهة الإلكترونية للجامعة وفعاليتها. وأشاد ناصر الدغيثر بجهود الجامعة في دعم ذوي الاحتياجات الخاصة، داعيًا إلى إبراز هذه الجهود لتكون محفزًا لبقية الجامعات. من جانبه، دعا الدكتور فهد آل عقران إلى مواءمة الأهداف مع مؤشرات القياس والحوكمة لضمان انعكاسها على المخرجات العلمية واحتياجات سوق العمل والمتطلبات التنموية. وبدوره، حث الدكتور صالح الشمراني الجامعة على تعزيز جهودها البحثية ورفع مساهمتها الوطنية في مجالات الثورة الصناعية الرابعة، بزيادة الابتكارات النوعية والاكتشافات الطبية والهندسية وتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، وهي مجالات تعتبر ركائز أساسية لمستقبل المملكة الاقتصادي.
وفي سياق متصل، ناقش المجلس أيضًا التقرير السنوي لجامعة الحدود الشمالية للعام الجامعي 2024. وفي هذا الصدد، طالبت الدكتورة تقوى عمر الجامعة باستحداث مسار مؤسسي لمتابعة الخريجين وربطه بمؤشرات أداء واضحة تقيس نسب التوظيف، ومدة الحصول على الوظيفة بعد التخرج، ومدى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، ومستوى رضا جهات التوظيف. هذه التوصيات تؤكد على أهمية ضمان جودة مخرجات التعليم العالي وقدرتها على تلبية احتياجات التنمية وسوق العمل، وهو ما يمثل أولوية قصوى في الأجندة الوطنية.
إضافة إلى ذلك، وافق المجلس على عدد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات الدولية، مما يعكس الدور الفاعل للمملكة في تعزيز التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف في مختلف القطاعات. شملت هذه الموافقات مذكرة تفاهم بين وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في تنزانيا، وأخرى بين وزارة الرياضة والمنظمة العربية للتنمية الإدارية في مجال التدريب، وثالثة بين الهيئة العامة للطيران المدني السعودية ونظيرتها السورية. كما وافق المجلس على اتفاقية خدمات النقل الجوي بين حكومة المملكة وحكومة جمهورية الرأس الأخضر. هذه الاتفاقيات تبرز التزام المملكة بتعزيز علاقاتها الدولية وتوسيع نطاق تعاونها في مجالات حيوية.
تؤكد هذه الجلسة لمجلس الشورى على الدور المحوري الذي يلعبه المجلس في الرقابة على أداء المؤسسات الحكومية، وخاصة الجامعات، لضمان تحقيقها لأهدافها الاستراتيجية ومساهمتها الفاعلة في تحقيق رؤية السعودية 2030. إن التوجيهات الصادرة لجامعة الملك عبدالعزيز، وغيرها من الجامعات، تمثل خارطة طريق نحو مستقبل تعليمي أكثر تطورًا وابتكارًا، قادر على إعداد جيل من الكفاءات الوطنية المؤهلة للمنافسة عالميًا.


