في تطور استراتيجي يعيد تشكيل المشهد الأمني في شمال شرق سوريا، أعلنت مصادر عسكرية سورية اليوم (الأربعاء) عن انتشار قوات الجيش السوري داخل مخيم الهول، وذلك غداة إعلان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) انسحابها من الموقع. يعد هذا المخيم نقطة محورية في ملف مكافحة الإرهاب، حيث يؤوي عشرات الآلاف من عائلات عناصر تنظيم داعش الإرهابي، مما يجعله أحد أخطر التجمعات البشرية في العالم.
شهد محيط المخيم المسيّج، الواقع في محافظة الحسكة، دخول عشرات من رجال الأمن التابعين للجيش السوري عبر بوابة حديدية، مدعومين بآليات عسكرية، في خطوة تؤكد استلام السيطرة بشكل كامل. وقد نقلت وكالة «فرانس برس» تفاصيل هذا الانتشار الذي يمثل تحولاً كبيراً في إدارة هذا الملف الشائك.
ويُعرف مخيم الهول بكونه قنبلة موقوتة، حيث يضم نحو 24 ألف شخص، منهم حوالي 6300 أجنبي من نساء وأطفال ينتمون إلى 42 جنسية مختلفة. هؤلاء الأفراد، الذين غالبًا ما يكونون من عائلات مقاتلي داعش، يشكلون تحديًا أمنيًا وإنسانيًا هائلاً، مع تقارير متكررة عن محاولات فرار وعمليات تطرف داخل المخيم، مما يجعله بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفكر المتطرف.
تأتي هذه الخطوة في سياق أوسع للصراع السوري الذي شهد هزيمة داعش الإقليمية في عام 2019. منذ ذلك الحين، تولت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من التحالف الدولي، مسؤولية حراسة المخيمات التي تضم عائلات داعش، بالإضافة إلى سجون تحتجز الآلاف من مقاتلي التنظيم. وقد دعت «قسد» مرارًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه هؤلاء المحتجزين، خاصة الأجانب منهم، مؤكدة أن العبء الأمني والإنساني يفوق قدراتها.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت أمس (الثلاثاء) عن جهوزية قواتها لاستلام المخيم، مؤكدة رفضها لما وصفته باستغلال «قسد» لملف السجناء والدواعش، واعتباره ورقة مساومة سياسية لبث الفوضى. وقد جاء هذا الانتشار بعد مفاوضات مكثفة أجراها التحالف الدولي مع السلطات السورية لضمان انتقال سلس للسيطرة، بهدف تجنب أي مخاطر أمنية أو فرار للمحتجزين، وهو ما أكده مسؤول سوري رفيع المستوى.
في الأيام الماضية، انسحبت قوات «قسد» من محافظتي الرقة ودير الزور، لكنها لا تزال تسيطر على مدينتي الحسكة والقامشلي، اللتين تتميزان بتنوع عرقي بين الأكراد والعرب. هذا الانسحاب التدريجي يأتي في ظل تصاعد التوترات بين «قسد» والحكومة السورية، التي منحتها مهلة أربعة أيام لوضع خطة للاندماج في الدولة، مهددة بالدخول إلى الحسكة والقامشلي في حال عدم الاستجابة، وذلك بعد مواجهات عسكرية شهدتها مناطق شمال وشرق البلاد.
إن سيطرة الجيش السوري على مخيم الهول تمثل مكسبًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا للنظام السوري، حيث تعزز من سيادته على الأراضي السورية وتضع ملفًا دوليًا حساسًا تحت إدارته المباشرة. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول قدرة الحكومة السورية على إدارة هذا المخيم المعقد، وتوفير الأمن اللازم، ومعالجة التحديات الإنسانية وحالات التطرف، بالإضافة إلى مصير آلاف الأجانب الذين ترفض بلدانهم استقبالهم. يبقى مستقبل مخيم الهول، وما يحمله من تداعيات أمنية وإنسانية، رهنًا بالسياسات التي ستتبعها دمشق والتعاون الدولي المحتمل في هذا الملف الشائك.


