spot_img

ذات صلة

ماكرون يدعو لمناورات الناتو في غرينلاند: صراع جيوسياسي مع ترامب

في تصعيد جيوسياسي جديد يلقي بظلاله على العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، أعلنت الرئاسة الفرنسية عن رغبة باريس في أن يجري حلف شمال الأطلسي (الناتو) مناورة عسكرية في جزيرة غرينلاند. يأتي هذا الطلب الفرنسي في وقت أعرب فيه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مجدداً عن رغبته في ضم هذا الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي، مما يشير إلى تصادم محتمل في المصالح الاستراتيجية.

وأوضح قصر الإليزيه أن فرنسا تطلب إجراء هذه المناورات لحلف شمال الأطلسي في غرينلاند، مؤكدة استعدادها للمساهمة بفاعلية في هذه التدريبات. لا يمثل هذا التحرك مجرد رد فعل دبلوماسي، بل يعكس محاولة أوروبية لترسيخ الوجود الأطلسي في منطقة حيوية استراتيجياً، خاصة في ظل التوترات المتزايدة في القطب الشمالي.

تكتسب غرينلاند أهمية استراتيجية قصوى نظراً لموقعها الجغرافي الفريد في القطب الشمالي، وهي منطقة تشهد تنافساً جيوسياسياً متزايداً بين القوى الكبرى. فبالإضافة إلى مواردها الطبيعية الهائلة غير المستغلة، مثل المعادن النادرة والنفط والغاز، تعد الجزيرة نقطة مراقبة حيوية للممرات البحرية القطبية، وتضم قاعدة ثول الجوية الأمريكية، وهي منشأة دفاعية رئيسية. تاريخياً، لعبت غرينلاند دوراً محورياً خلال الحرب الباردة كخط دفاع أمامي ضد التهديدات المحتملة، وتستعيد اليوم أهميتها في مواجهة النفوذ المتنامي لروسيا والصين في المنطقة القطبية. هذه الأهمية هي ما دفع ترامب مراراً للتأكيد على أن غرينلاند تحمل قيمة أمنية قصوى للولايات المتحدة وحلف الناتو.

تأتي هذه التطورات في سياق علاقات متوترة أصلاً بين الولايات المتحدة والقوى الأوروبية خلال فترة رئاسة ترامب، حيث أثرت تهديداته بفرض تعريفات جمركية سلبًا على الشراكة عبر الأطلسي. ففي وقت سابق، أرسلت دول أوروبية بارزة، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، قوات عسكرية إلى الإقليم في مهمة استطلاع. هذه المناورة، التي نظمتها الدنمارك مع دول من حلف شمال الأطلسي ولكن خارج إطار الحلف وبدون مشاركة الولايات المتحدة، أثارت غضب ترامب الذي هدد حلفاءه المشاركين بفرض تعريفات جمركية جديدة تصل إلى 25%، مما يعكس عمق الخلافات حول قضايا الدفاع والتجارة.

تفاقمت الخلافات بعد أن نشر ترامب على حسابه في «تروث سوشيال» رسائل نصية تلقاها من ماكرون وروته، أشاد فيها الرئيس الفرنسي بالإجراءات التي اتخذها ترامب في سوريا، ودعاه للحوار بشأن مسعاه لضم غرينلاند. جاء هذا الكشف قبل ساعات فقط من اجتماع قادة العالم في قمة دافوس بسويسرا، مما أضاف بعداً شخصياً ودبلوماسياً للتوترات. وقد أفاد مصدر مقرب من الرئيس الفرنسي أن مقتطفات الرسالة النصية التي نشرها الرئيس الأمريكي حقيقية، مضيفاً أن هذه الرسالة «توضح أن ماكرون يدافع عن نفس النهج في العلن كما في السر»، في محاولة لتأكيد ثبات الموقف الفرنسي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر أوروبية وأمريكية أن المعارضة الأوروبية لمساعي الرئيس ترامب بشأن شراء غرينلاند، ومبادرته المقترحة حول «مجلس السلام»، قد عطّلت خططاً حيوية تتعلق بأوكرانيا. وأوضح مسؤولون أوروبيون وأمريكيون أن هذه الخلافات عرقلت خططاً تتعلق بحزمة دعم اقتصادي لأوكرانيا بعد الحرب، بحسب ما نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز». وأفاد المسؤولون بأن الإعلان المخطط عن خطة ازدهار بقيمة 800 مليار دولار، كان من المقرر أن يتم الاتفاق عليها بين أوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قد تم تأجيله. هذا التأجيل يسلط الضوء على التأثير المباشر للخلافات الجيوسياسية على التعاون الدولي في قضايا حاسمة، ويبرز كيف يمكن أن تؤثر التوترات حول منطقة واحدة على استقرار مناطق أخرى.

يُتوقع أن يلقي الرئيس الأمريكي السابق كلمة في وقت لاحق في منتدى دافوس، حيث من المرجح أن يجدد تأكيده على أهمية غرينلاند الغنية بالمعادن لأمن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في مواجهة التحديات المتزايدة من روسيا والصين. هذه التطورات تشير إلى أن قضية غرينلاند ليست مجرد مسألة إقليمية، بل هي جزء من صراع أوسع على النفوذ والسيطرة في عالم يتغير بسرعة، وتداعياتها قد تمتد لتشمل مستقبل التحالفات الدولية والأمن العالمي.

spot_imgspot_img