يوسف أبا الخيل، اسمٌ يتردد صداه في الأوساط الثقافية والفكرية السعودية والعربية، ليس فقط كباحث فلسفي عميق، بل كصوت تنويري شجاع ظل يصدح بالوعي والرصانة منذ ثمانينيات القرن الماضي. في زمنٍ ساد فيه القلق والتردد في طرح الأفكار التي تنتصر للحياة، امتلك أبا الخيل جرأة التعبير عما حصده من حقل المثاقفات، محررًا بذلك كثيرًا من الإشكالات التي كانت تعنى بها حركة التنوير. حواره ليس مجرد لقاء عابر، بل هو نافذة على مسيرة فكرية ناضلت ضد الظلامية، مقدمًا رؤى هادئة ومنسابة تدفع للتأمل والبحث والاستقصاء.
لقد برز يوسف أبا الخيل في مشهد ثقافي معقد، حيث كانت ثمانينيات القرن الماضي تشهد صعود ما عُرف بـ“الصحوة”؛ تيار فكري أيديولوجي سيطر على مفاصل الحياة الثقافية والاجتماعية في المنطقة. تميزت تلك الفترة بجدل حاد، لكنه لم يكن حوارًا متكافئًا بالمعنى الحقيقي، بل كان غالبًا ما يمثل صوتًا واحدًا مهيمنًا، بينما كانت الأصوات المختلفة هامسة، خائفة، ووجلة من الاصطدام بالحشود التي كانت تمثل العصبية الحاملة للفكرة الصحوية. في هذا السياق، كان أبا الخيل وغيره من المثقفين التنويريين يواجهون تحديًا كبيرًا في طرح أفكارهم التي تدعو إلى الأنسنة والانفتاح، بعيدًا عن التخويف من الزيغ والضلال الذي كانت الصحوة تروجه.
مع بزوغ عهد جديد في المملكة العربية السعودية، شهدت البلاد تغييرات إصلاحية ضخمة تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان. هذه التغييرات، التي شملت جوانب ثقافية واجتماعية واقتصادية، أزاحت عن كاهل المثقف التنويري عبء المطالبة بحدوث تغييرات ثقافية تحمل بشائر الأنسنة. لقد أعادت القيادة السكة إلى مجراها الطبيعي، لكن أبا الخيل يؤكد أن دور المثقف النوعي لا يزال قائمًا وملحًا في تأصيل هذه التغييرات من منظور ثقافي-اجتماعي-شرعي. فإدخال هذه الرؤى الجديدة في الوعي الجمعي مرهون بجهود النخب، مشيدًا في هذا الصدد بالجهود المتواصلة التي يقوم بها رئيس رابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد العيسى في التأصيل الشرعي لأنسنة الخطاب الديني، رغم ما يعانيه من معارضة الخطاب المتطرف.
في خضم هذه التحولات، يرى أبا الخيل أن المنشغل بالفكر التنويري الأنسني لا يملك فراغًا، فالتنوير والأنسنة، خصوصًا تلك المنطلقة من تأصيل شرعي، هي عملية بطيئة ومعقدة تحتاج إلى أجيال متعاقبة لتؤتي ثمارها. الفكر النوعي يمتد عبر الزمان والمكان، وتحمله أجيال بعد أجيال. ويتطرق أبا الخيل إلى مفهوم “نسبية الحقيقة”، مؤكدًا أنها قانون وجودي نجده في الطبيعيات والاجتماعيات معًا. هذه النسبية، التي قد نغفل عنها فنظل أسارى لآراء ونظريات بحسبانها حقًا مطلقًا، هي في الواقع تدريب للإنسان على استشعارها وتبنيها من خلال القراءة المعمقة في الفلسفة وعلم الاجتماع ونظرية المعرفة. ويستشهد بفلاسفة مثل غوستاف لوبون وغاستون باشلار ليؤكد أن حتى النظريات العلمية قابلة للتكذيب، فما بالك بما يتعلق بالاجتماعيات.
في عصرنا الرقمي، يواجه المثقف تحديات جديدة. يرى أبا الخيل أن “المثقف الرقمي” قد اعتاد على النسخ واللصق، مما يجعل معلوماته “تسلق سلقًا” دون تمحيص علمي، على عكس مثقف الكتب التقليدية الذي يبذل جهدًا في تحصيل المعلومة وتعديلها. هذا التحدي يمتد إلى التعليم، حيث يخشى أبا الخيل على تضعضع الجدية لدى الطالب، واعتماده المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي في حل واجباته وأبحاثه، مما يهدد عمق التحصيل العلمي. ولتأسيس قيم الجمال في الأجيال، يقترح تدريس فلسفة الجمال، خصوصًا لدى كانط وهيجل، والتأكيد على أهمية الجمال بكل تمظهراته لحياة أرقى وأكثر جودة.
يحذر أبا الخيل من الانغماس المتسارع في “ثقافة التفاهة” التي وصفها آلان دورنو، حيث يلاحظ سطحية اهتمامات بعض الشباب والشابات واستهلاكهم لمنتجات الحضارة الغربية دون تساؤل عن كيفية وصولها إلى هذا المستوى من التقدم العلمي. هذا الغياب للدهشة والانبهار بالعلم يشير إلى تضعضع الروح العلمية وغياب التساؤلات الجادة.
وفي سياق أوسع، يؤكد أبا الخيل أن التعددية وقبول الآخر المختلف لم يعد ترفًا، بل هو قانون اجتماعي طبيعي ثابت، مستشهدًا بالآية الكريمة (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم). ويشير إلى أن عدم قبول التعددية وعداء الآخر من منطلق ديني أو مذهبي لم يأتِ من القرآن الكريم أو السنة الشريفة، بل من النصوص الثانوية التي حفت بالمذاهب العقدية. ويذكر “صحيفة المدينة” كنموذج تاريخي أسس فيه الإسلام لعلاقات سياسية واجتماعية تقوم على الإخاء المدني قبل إحلالها في العالم المعاصر بأكثر من ألف سنة، حيث آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين مواطني دولة المدينة من مسلمين ويهود ومسيحيين ليكونوا يدًا واحدة للدفاع عن بلدهم مع احتفاظ كل ملة بدينها.
وعن مسيرته التأليفية، يكشف أبا الخيل أنه لم يسلك سبيل التأليف السطحي، مفضلاً العمق على الكثرة. يستشهد بكارل ماركس وهربرت سبنسر وابن رجب الحنبلي الذين قضوا أعمارهم في تأليف أعمالهم الكبرى، معبرًا عن عجزه عن قضاء أعوام طويلة في تأليف كتاب واحد، وفي الوقت نفسه رفضه للتأليف السطحي الذي يهدف إلى المباهاة في معارض الكتب والمقاهي الثقافية. هذا الموقف يعكس التزامه بالجدية الفكرية والعمق المعرفي الذي يميز مسيرته.
حتى في اهتماماته الشخصية، يجد أبا الخيل ترابطًا بين تخصصه المالي والفلسفة، مشيرًا إلى أن الدرجات العلمية كانت تمنح أحيانًا كـ”دكتوراه الفلسفة في تخصص كذا”. أما الرياضة، وتحديدًا كرة القدم المحلية، فيتابعها كهواية، مؤكدًا على أهمية ممارستها كركيزة أساسية للحياة الصحية في ظل شيوع التواكل والاتكالية في العصر الحديث. ويرى أن تشجيع الفرق يجب أن يبقى في فلكه المعتاد، دون أن يتحول إلى ما يشبه الولاء والبراء.
يظل يوسف أبا الخيل قامة فكرية تضيء دروب الوعي، داعيًا إلى التأمل والعمق في زمن يميل إلى السطحية، ومؤكدًا على قيم التنوير والأنسنة والتعددية كركائز لمجتمع مزدهر وواعٍ.


