
لطالما تباينت نظرة المجتمعات إلى الوزن المثالي عبر العصور. ففي الماضي غير البعيد، كانت زيادة الوزن تُعد أحيانًا علامة على الرفاهية والرخاء، ومعيارًا للوجاهة الاجتماعية في بعض الثقافات. إلا أن هذا المفهوم قد تغير جذريًا في العقود الأخيرة، خاصة مع تزايد الوعي الصحي العالمي وتفشي مشكلة السمنة كجائحة عالمية تهدد صحة الملايين. ومع هذا التحول، برزت ظاهرة جديدة تتمثل في الهوس بالرشاقة والبحث عن الوزن المثالي، مدفوعة بشكل كبير بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي تبث يوميًا نصائح ووصفات سريعة لتحقيق الرشاقة في زمن قياسي.
في خضم هذا السعي المحموم، تزايدت أعداد “تجار النحافة” الذين يستغلون رغبة الناس في إنقاص الوزن، مروجين لوصفات عشوائية وشعبية لا تستند إلى أي أساس علمي أو طبي. هذه الوصفات، التي غالبًا ما تُقدم كحلول سحرية، باتت تشكل تهديدًا حقيقيًا لحياة الأفراد وتدميرًا لأجساد المهووسين بإنقاص الوزن، مما يستدعي تدخلًا عاجلاً من الجهات الرقابية وتكثيف البرامج التوعوية لإنقاذ حياة الناس من براثن هذه الممارسات الخطيرة. فالتسليم لكل مدعٍ بنجاعة وصفته قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، حيث توجد وصفات سامة وأعشاب مدمرة قد تسبب أضرارًا صحية لا رجعة فيها.
إن محاربة السمنة والتوجه نحو حرق السعرات الحرارية هو أمر إيجابي بحد ذاته، لكن الخطورة تكمن في الطرق غير الآمنة وغير العلمية المتبعة. وقد استضفنا عددًا من الاستشاريين لسماع وجهات نظر الطب ومناقشة التداعيات الخطيرة لتجار النحافة الذين لا يرون في العلم والطب مرجعية لهم، بل يعتمدون على تجارب فردية قد تكون نتائجها كارثية. ففي حادثة مأساوية، ذهب ضحية هذه الممارسات أحد التربويين في مدينة جدة، الذي تقبل فكرة التداوي من محلات العطارة واستمرأ الوصفات العشوائية، مما أدى إلى إصابته بفشل كلوي ثم انتقل إلى رحمة الله. كما أكد الفنان خالد الصاوي تعرضه لأزمة صحية بسبب “حقن التنحيف” التي عطلت جهازه الهضمي وتسببت في متاعب استدعت دخوله المستشفى، وذلك بحسب ما صرح به في مقابلة تلفزيونية أخيرة.
اضطرابات الأكل والسمنة: منظور طبي ونفسي
يشير الاستشاري النفسي الدكتور سلطان مشرف إلى أن هذه القضية ترتبط ارتباطًا وثيقًا باضطرابات الأكل والسمنة، والتي تشمل أمراضًا مثل فقدان الشهية العصابي، الشره العصابي، أو النهم، ومتلازمة الأكل الليلي. ويؤكد الدكتور مشرف على ضرورة تحديد معايير هذه الاضطرابات والتدخل العلاجي المبكر عبر نهج تكاملي يجمع بين أطباء الباطنة، وأخصائيي التغذية، والعلاج النفسي. كما لفت إلى أهمية تشخيص حالة الشخص بدقة، والتأكد مما إذا كان يعاني من السمنة المرضية بناءً على كتلة الجسم، وتحديد متى يجب أن يبدأ التدخل العلاجي. ويوضح أن التدخل يكون ضروريًا أحيانًا عند ارتباط السمنة بأمراض أخرى مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وخشونة المفاصل. ويدعو إلى أن يتم التشخيص عن طريق تقييم طبي شامل من أطباء علاج السمنة، مشيرًا إلى وجود تقنيات واستراتيجيات علاجية تشمل الحمية الغذائية، وتغيير نمط الحياة، وبعض العقاقير والإبر إذا لزم الأمر، بالإضافة إلى العمليات الجراحية في حالات معينة. ويعد الإشكالية الكبرى في اللجوء إلى هذه التقنيات أو الوصفات دون حاجة حقيقية أو دون استشارات طبية لتحديد مستوى السمنة والخطورة، مؤكدًا أن الخطة العلاجية يجب أن تكون عبر مسار طبي مقنن، دون ترك باب الاجتهادات مفتوحًا بلا ضوابط. كما يدعو إلى نشر الوعي بأهمية الرياضة والتغذية الصحية لتفادي السمنة وما يترتب عليها من معالجات خاطئة.
البحث عن الأدلة العلمية: أساس العلاج الآمن
من جانبه، يؤكد استشاري جراحة المناظير الدكتور حسن عثمان الزندي أن تجارب الأعشاب والوصفات الشعبية ليس لها أي اعتبار إن لم تكن مدعمة بأدلة علمية موثوقة. ويشير إلى أن ما قد ينفع شخصًا ربما يضر بآخر، وقد يتسبب في أضرار على المدى البعيد أو عند أشخاص معينين بسبب اختلاف الاستجابات الفسيولوجية. ويقول: “باعتباري مختصًا، لا أؤمن بالخلطات التي ليست مبنية على دراسات علمية، وربما لا تنقص الدهون بل تؤثر على الكتلة العضلية وتؤثر نفسيًا وهرمونيًا وتسبب اضطرابات أخرى”. ويشدد على أن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، من الجهات الصحية والرقابية والمختصين، إضافة إلى رفع ثقافة الأفراد، كون إنقاص الوزن والوصول إلى الرشاقة ليس مجرد حمية غذائية، بل يعتمد على عوامل عدة منها الرياضة وتحسين الحالة النفسية، وكل ذلك يتفاوت من شخص لآخر بحسب احتياجه الفردي.
التكامل العلاجي ضرورة لمواجهة هوس النحافة
ويذهب الاستشاري النفسي الدكتور محمد الحامد إلى أن هاجس النحافة والاهتمام المتزايد بنزول الوزن بصورة تتجاوز الحدود الطبيعية يدخلان ضمن دائرة الهوس بالصحة والجمال والرياضة. ويعزو هذا الهوس إلى الانفتاح وتوفر المعلومات في زمن قياسي، حيث أصبحت المعرفة والمعلومات في متناول اليد بضغطة زر. ويلفت إلى ضرورة قياس معدل كتلة الجسم (BMI)، فإذا نزلت الكتلة عن 18.5، فهناك إشكالية صحية خطيرة، وربما كانت الحالة تعاني من اضطرابات الأكل بسبب الريجيم القاسي. ويرى أن الوصول إلى الخوف المرضي من زيادة الوزن قد يتسبب في فقدان الشهية العصبي، لدرجة أن البعض، وبرغم نحافته الشديدة، يعتقد أن وزنه زائد، وحينها تغدو الحالة مُلزمة لزيارة الطبيب النفسي لما يترتب عليها من أمراض عضوية في القلب، وربما تفضي إلى الوفاة. كما أن هناك أمراضًا أخرى تنجم عن الحرمان الشديد من الطعام، منها نقص الحديد، وفقر الدم، وتساقط الشعر. ويلفت إلى أن البعض يقع في مشكلة الشره الأكلي، ولمكافحة زيادة الوزن يجنح للاستفراغ والرياضة المُرهِقة، وهي سلوكيات خطيرة تدمر الصحة.
وصفات غير آمنة مقابل علاجات معتمدة
يرى استشاري الجهاز الهضمي الدكتور محمد سعد أن بعض الأعشاب الطبيعية قد تسهم في تخفيف الوزن، مثل الشاي الأخضر والزنجبيل والقرفة، لكنه يحذر من أن المشكلة تكمن في الوصفات التجارية التي غالبًا ما تحتوي على مكونات غير معروفة وقد يكون لها تأثير ضار على الكبد أو الكلى، إضافة إلى عدم ثبوت فاعليتها. ويؤكد أستاذ الطب الباطني الدكتور سلطان التمياط أنه لا توجد “وصفات” للرشاقة والنحافة بالمعنى الشائع، بل علاجات متعارف عليها ومقبولة عالميًا مثل (حقن المونجارو) و(أوزيمبيك)، إلا أن لها ما لها وعليها ما عليها من آثار جانبية وموانع استخدام. ويضيف التمياط أن القرار بشأن هذه العلاجات تحدده حاجة الشخص ومدى قدرته أو فشله في إنقاص الوزن بالطرق المتعارف عليها، وهي الحمية الغذائية المتوازنة وممارسة الرياضة بانتظام، تحت إشراف طبي.
التوازن والاعتدال: منهج حياة صحي
وفي هذا السياق، ترى أخصائية التغذية عزيزة الغامدي أن بناء الجسم بالإسراف في الطعام وتناول ما لذ وطاب دون اعتدال يهدد حياة الإنسان ويتسبب في تعطيل نشاطه. وتشدد على ضرورة التوازن في الوجبات، وخلق تكامل بين النشويات والبروتينات والسكريات، والحرص على منهج الهدي القرآني “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا” (الأعراف: 31). وتضيف أن الحركة المنتظمة، وانتظام الوقت بين الوجبات، والنوم المريح ليلاً، كلها عوامل أساسية للحفاظ على وزن صحي وجسم سليم، بعيدًا عن مخاطر الوصفات العشوائية والحلول السريعة التي قد تكلف الإنسان صحته وحياته.


