spot_img

ذات صلة

البطاقات الحمراء والفار: جدل الطرد وتأثيره في كرة القدم

كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في العالم، لا تقتصر على المتعة والإثارة فحسب، بل تتضمن أيضاً قرارات تحكيمية حاسمة يمكن أن تقلب موازين المباريات وتثير جدلاً واسعاً. من بين هذه القرارات، تبرز حالات الطرد (إشهار البطاقة الحمراء) كواحدة من أكثر اللحظات تأثيراً وإثارة للجدل، خاصة مع التطورات الحديثة في التحكيم وظهور تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR).

تاريخ البطاقات الحمراء وتطور التحكيم:

لم تكن البطاقات الملونة جزءاً من كرة القدم منذ بدايتها. فكرة البطاقات الصفراء والحمراء ظهرت لأول مرة في كأس العالم 1970 بالمكسيك، بهدف توضيح قرارات الحكام للاعبين والجماهير بشكل مرئي وموحد عالمياً. قبل ذلك، كان الحكام يعتمدون على الإشارات اللفظية أو اليدوية، مما كان يسبب أحياناً سوء فهم. البطاقة الحمراء تُشهر في حالات المخالفات الجسيمة مثل السلوك العنيف، اللعب الخطر جداً، أو منع فرصة هدف محقق بشكل غير قانوني، وهي تعني إقصاء اللاعب من المباراة مباشرة.

ظهور تقنية VAR وتأثيرها:

في السنوات الأخيرة، شهدت كرة القدم ثورة تحكيمية مع إدخال تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR). بدأت التجارب الرسمية لـ VAR في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتبناها الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) والمجلس الدولي لكرة القدم (IFAB) بشكل واسع في البطولات الكبرى بدءاً من منتصف العقد. كان الهدف الرئيسي من VAR هو تقليل الأخطاء التحكيمية “الواضحة والفادحة” في أربع حالات رئيسية: الأهداف، ركلات الجزاء، حالات الطرد المباشر، وتحديد هوية اللاعبين. ورغم أن VAR جاء لزيادة العدالة، إلا أنه في كثير من الأحيان أصبح هو نفسه مصدراً للجدل، خاصة فيما يتعلق بتفسير اللقطات وتطبيق القانون.

الجدل حول قرارات الطرد وتقنية الفار:

يشهد عالم كرة القدم بين الحين والآخر حالات طرد مثيرة للجدل، تتحول معها بعض المباريات من منافسة كروية خالصة إلى ساحة نقاش واسعة حول القرارات التحكيمية وحدود صلاحيات الحكم. تتصاعد حدة الجدل عندما تتباين التفسيرات القانونية للقطة الواحدة بين الحكام والمحللين الرياضيين، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول آلية اتخاذ القرار، وتأثيره المباشر على مجريات المباراة ونتائجها.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الرياضي ومدرب اللياقة البدنية الكابتن علي المحمود، أن الجدل المتكرر حول حالات طرد بعض اللاعبين بعد إشهار البطاقة الحمراء والرجوع إلى تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) يعكس حالة من التباين الواضح في فهم آليات التحكيم الحديثة، سواء لدى الجماهير أو حتى بعض المحللين الرياضيين في وسائل الإعلام. ويضيف الكابتن المحمود أن اختلاف وجهات النظر بين الحكام والمحللين أمر طبيعي، لكنه يصبح إشكالياً عندما يبنى على انفعالات لا على قراءة قانونية دقيقة لنصوص اللعبة.

احترام الحكم وسلطته التقديرية:

يؤكد الكابتن المحمود على أن الهجوم اللفظي أو السلوكي على الحكم من قبل اللاعبين مرفوض تماماً، ويتعارض مع القوانين والأخلاقيات الرياضية. فالحكم يعتبر جزءاً أساسياً من منظومة اللعبة، واحترامه واجب مهما كان الخلاف على القرار. تمنح القوانين الحكم سلطة تقديرية واسعة في الملعب، ولا تبيح بأي حال من الأحوال الاعتراض العنيف أو التشكيك العلني في نزاهته، لما لذلك من تأثير سلبي على صورة كرة القدم وسلوك اللاعبين داخل الملعب. هذا المبدأ أساسي للحفاظ على انسيابية اللعب والروح الرياضية.

متى يتدخل الفار؟ حدود صلاحيات VAR:

وعن سؤال حول إلزامية الرجوع إلى تقنية الفار في جميع الحالات، أوضح الكابتن المحمود أن الحكم غير ملزم بذلك، بل يقتصر الرجوع على الحالات الواضحة والمؤثرة التي تندرج تحت الفئات الأربع المذكورة سابقاً: الأخطاء الجسيمة المتعلقة بالأهداف، وضربات الجزاء، وحالات الطرد المباشر، أو الخطأ في تحديد هوية اللاعب. ويشدد على أن عدم الرجوع للفار لا يعتبر خطأً تحكيمياً بحد ذاته، ما دام الحكم متأكداً من قراره وسبق له اتخاذ زاوية رؤية مناسبة. هذا يوضح أن VAR أداة مساعدة وليست بديلاً عن الحكم الرئيسي.

إمكانية التراجع عن قرار الطرد:

هناك حالات محددة تستدعي تراجع الحكم عن قرار الطرد بعد إشهار البطاقة الحمراء. يوضح الكابتن المحمود أن أبرز هذه الحالات تشمل ثبوت عدم وجود احتكاك عنيف، أو أن المخالفة لم تصل إلى حد سلوك عنيف، أو وجود خطأ في التقدير نتيجة زاوية رؤية خاطئة، أو تدخل الفار لتوضيح أن المخالفة تستوجب إنذاراً فقط وليس الطرد المباشر. في مثل هذه الحالات، يكون الرجوع عن القرار دليلاً على قوة التحكيم ومرونته في تصحيح الأخطاء، لا ضعفاً.

حق الأندية في الاعتراض وتأثير الطرد:

يؤكد المحمود أن من حق أي ناد التقدم باعتراض رسمي أو بيان بعد انتهاء المباراة، شريطة أن يكون ذلك عبر القنوات القانونية المعتمدة، وبأسلوب مهني بعيداً عن التشهير أو الإساءة. فبعض حالات الطرد يمكن مراجعتها لاحقاً من قبل اللجان المختصة، وقد ينتج عنها إلغاء البطاقة أو تخفيف العقوبة إذا ثبت وجود خطأ واضح. هذا يضمن وجود آلية للطعن في القرارات التي قد تكون خاطئة.

تأثير الطرد على مجريات المباراة ونتائجها:

لا شك أن طرد اللاعب يؤثر بشكل مباشر وعميق على مجريات المباراة، سواء من الناحية الفنية أو النفسية. فمن الناحية الفنية، يخل الطرد بتوازن الفريق، ويجبر المدرب على تغيير خطته وتكتيكاته بشكل جذري، وقد يضطر لسحب لاعب هجومي لتعويض النقص الدفاعي، مما يضعف القدرة الهجومية للفريق. كما يمنح الأفضلية العددية للفريق المنافس، الذي يستطيع استغلال المساحات الإضافية والضغط بشكل أكبر. أما من الناحية النفسية، فقد يؤدي الطرد إلى إحباط اللاعبين المتبقين وتوترهم، بينما يرفع معنويات الفريق الخصم. هذا التأثير قد يمتد إلى ما بعد المباراة، حيث يواجه اللاعب المطرود عقوبات إيقاف وغرامات، مما يؤثر على جاهزية الفريق في المباريات اللاحقة، وقد يكلف النادي نقاطاً حاسمة في سباق البطولات.

ضرورة تطوير الثقافة التحكيمية:

يختتم الكابتن المحمود حديثه بالتأكيد على أن تطوير وتكريس الثقافة التحكيمية لدى اللاعبين والإعلام والجماهير بات ضرورة ملحة لمواكبة تطور كرة القدم الحديثة. فهم أعمق للقوانين، واحترام أكبر لقرارات الحكام، وتقبل لتدخلات التقنية، كلها عناصر أساسية لضمان استمرارية متعة اللعبة ونزاهتها، وتقليل الجدل غير البناء الذي قد يطغى على الروح الرياضية.

spot_imgspot_img