spot_img

ذات صلة

اجتماع ثلاثي روسي أوكراني أمريكي: تسوية حرب أوكرانيا

في خطوة دبلوماسية بالغة الأهمية، أعلن الكرملين عن مشاركة روسيا في اجتماع ثلاثي رفيع المستوى مع مسؤولين من أوكرانيا والولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، وذلك في أعقاب محادثات وصفت بـ«المفيدة» بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في موسكو. يأتي هذا الاجتماع في سياق المساعي الدولية المتواصلة والملحة لإنهاء حرب أوكرانيا، التي دخلت عامها الثالث مخلفةً دماراً هائلاً وأزمة إنسانية عميقة.

خلفية الصراع والجهود الدبلوماسية:

منذ الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير 2022، والذي سبقه ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014 والصراع في دونباس، شهد العالم تصعيداً غير مسبوق في التوترات الجيوسياسية. وقد أدت هذه الحرب إلى نزوح الملايين، وتدمير البنية التحتية، وتأثيرات اقتصادية عالمية واسعة النطاق، بما في ذلك اضطرابات في أسواق الطاقة والغذاء. على مدى هذه الفترة، تتابعت الجهود الدبلوماسية، من اتفاقيات مينسك السابقة إلى مبادرات السلام المتعددة التي لم تسفر عن اختراق حقيقي، مما يجعل هذا الاجتماع الثلاثي محاولة جديدة ومكثفة لإيجاد أرضية مشتركة.

وفود رفيعة المستوى على طاولة المفاوضات:

أفاد مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية، يوري أوشاكوف، أن الرئيس بوتين أصدر تعليماته لوفد موسكو بإجراء المشاورات، مع الأخذ في الاعتبار كامل تفاصيل المحادثات التي أجراها في الكرملين مع مبعوثي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن الجنرال الروسي إيجور كوستيوكوف، مدير الاستخبارات العسكرية الروسية، سيرأس وفد موسكو في المحادثات الأمنية الثلاثية، بينما سيلتقي مبعوث الاستثمار كيريل ديميترييف بشكل منفصل مع ستيف ويتكوف لبحث القضايا الاقتصادية. من الجانب الأوكراني، أكد مسؤولون أن كييف سترسل كبير مفاوضيها رستم عمروف، ورئيس مكتب زيلينسكي ورئيس الاستخبارات العسكرية السابق كيريلو بودانوف، إضافة إلى دافيد أراخاميا، زعيم حزب الرئيس الحاكم في البرلمان. هذا التشكيل للوفود يعكس الأهمية القصوى التي توليها الأطراف لهذه المحادثات، حيث يضم شخصيات أمنية ودبلوماسية واقتصادية بارزة.

قضية السيادة على الأراضي ومعضلة التنازلات:

كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد أعرب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عن دعمه للقاء فريقه التفاوضي مع نظرائهم الروس والأمريكيين على أرض محايدة، مؤكداً أن مسألة السيادة على الأراضي ستكون محور النقاش. وتعد هذه النقطة هي الأكثر حساسية وتعقيداً، حيث شدد الجانب الروسي خلال محادثات بوتين مع المبعوثين الأمريكيين على أن مطالبه المتعلقة بالأراضي لا تزال دون حل، في إشارة إلى المناطق التي ضمتها روسيا أو تسيطر عليها في أوكرانيا. في المقابل، تصر أوكرانيا على استعادة كامل سيادتها على أراضيها المعترف بها دولياً، وهو ما يمثل عقبة كبرى أمام أي تسوية سلمية. ورغم إعلان مسؤولين أمريكيين وأوكرانيين عن إحراز تقدم كبير في خطة من 20 نقطة تهدف إلى إنهاء الحرب، إلا أن كييف وموسكو لا تزالان على خلاف حول نقاط رئيسية، أبرزها مطالب بوتين بالسيطرة على أراضٍ تعود لأوكرانيا.

الدور الأمريكي والضمانات الأمنية:

تؤكد مشاركة الولايات المتحدة في هذه المحادثات على دورها المحوري في دعم أوكرانيا وجهود السلام. وقد أضاف زيلينسكي، الجمعة، أنه ينتظر الرئيس الأمريكي ترمب لتوقيع اتفاق نهائي بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية لأوكرانيا، لافتاً إلى أنه ناقش مع ترمب إمداد بلاده بصواريخ إضافية للدفاع الجوي من طراز PAC-3، المضادة للصواريخ الباليستية، ويأمل في نتيجة إيجابية. هذه الضمانات والإمدادات العسكرية حاسمة لأوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي، وتؤكد على التزام واشنطن بأمن كييف، مما يضيف بعداً استراتيجياً للمفاوضات.

الأهمية والتأثير المتوقع:

يحمل هذا الاجتماع الثلاثي أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، يمكن أن يمهد الطريق لتخفيف المعاناة الإنسانية وإعادة بناء المناطق المتضررة، أو على الأقل تقليل حدة الصراع. إقليمياً، قد يؤثر على استقرار أوروبا بأكملها، ويعيد تشكيل التحالفات الأمنية، ويؤثر على مستقبل حلف الناتو. دولياً، تمثل هذه المحادثات اختباراً لقدرة الدبلوماسية على حل النزاعات الكبرى في القرن الحادي والعشرين، وتأثيرها سيمتد إلى مبادئ القانون الدولي وسيادة الدول. ورغم التحديات الهائلة، فإن مجرد جلوس الأطراف الرئيسية على طاولة واحدة يمثل بصيص أمل في إيجاد حل دبلوماسي للصراع الذي هز أركان النظام العالمي.

spot_imgspot_img