spot_img

ذات صلة

بنك اليابان: الفائدة ومستقبل الاقتصاد الياباني والعالمي

كشف محافظ بنك اليابان المركزي، كازو أويدا، أن الأوضاع المالية في البلاد لا تزال مواتية، مشيرًا إلى أن تقييم التأثير الكامل لرفع سعر الفائدة الأخير قد يستغرق بعض الوقت. جاءت هذه التصريحات عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك، حيث أكد أويدا أن مسار الفائدة المستقبلي سيعتمد بشكل كبير على التطورات الاقتصادية والبيانات المتاحة.

وأوضح أويدا في مؤتمره الصحفي أن البنك سيواصل رفع الفائدة إذا ما تحققت توقعاته الاقتصادية ورؤيته للأسعار، لكنه شدد على أن الوتيرة والمسار الدقيقين سيحددهما الوضع الاقتصادي حينها. وأضاف أن البنك سيدرس البيانات المتاحة بعناية فائقة في اجتماعات السياسة النقدية المقبلة، وسيقوم بتحديث رؤيته بشأن التطورات الاقتصادية وتوقعات الأسعار والمخاطر المحتملة، بالإضافة إلى احتمالية تحقيق التوقعات الموضوعة. هذا النهج الحذر يعكس التحديات الفريدة التي تواجه الاقتصاد الياباني.

تأتي هذه التصريحات في سياق تحول تاريخي للسياسة النقدية اليابانية. لعقود طويلة، عانى الاقتصاد الياباني من الانكماش، مما دفع بنك اليابان إلى تبني سياسات نقدية شديدة التيسير، بما في ذلك أسعار الفائدة السلبية والتحكم في منحنى العائد، بهدف تحفيز النمو ورفع معدلات التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 2%. هذه السياسات غير التقليدية جعلت اليابان حالة فريدة بين الاقتصادات الكبرى، حيث استمرت في التيسير النقدي بينما كانت البنوك المركزية الأخرى حول العالم ترفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم المتصاعد.

في مارس 2024، اتخذ بنك اليابان خطوة جريئة بإنهاء سياسة أسعار الفائدة السلبية ورفع سعر الفائدة للمرة الأولى منذ 17 عامًا، في إشارة إلى ثقته في أن الاقتصاد الياباني قد تجاوز مرحلة الانكماش. جاء هذا القرار مدفوعًا بارتفاع مستويات التضخم، مدعومًا بزيادات قوية في الأجور، والتي تعتبر حاسمة لتحقيق تضخم مستدام. ومع ذلك، لا يزال البنك يتبنى موقفًا حذرًا، مؤكدًا على الحاجة إلى مزيد من الأدلة على استدامة التضخم قبل اتخاذ خطوات إضافية.

إن مسار أسعار الفائدة في اليابان له تداعيات عميقة على الاقتصاد المحلي. فرفع الفائدة يمكن أن يؤثر على تكاليف الاقتراض للمستهلكين والشركات، مما قد يؤثر على الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار. كما يمكن أن يؤثر على قيمة الين الياباني، الذي شهد تقلبات كبيرة في الآونة الأخيرة. استقرار الأسعار ونمو الأجور المستدام هما مفتاحان لتحقيق دورة اقتصادية إيجابية، حيث يشعر المستهلكون بالثقة الكافية للإنفاق، وتستثمر الشركات في التوسع.

على الصعيد الإقليمي والدولي، تتابع الأسواق العالمية عن كثب قرارات بنك اليابان. نظرًا لكون اليابان ثالث أكبر اقتصاد في العالم، فإن أي تغيير في سياستها النقدية يمكن أن يكون له تأثيرات مضاعفة على الأسواق المالية العالمية، وخاصة أسواق السندات والعملات. يمكن أن يؤثر إنهاء سياسات التيسير النقدي على تدفقات رأس المال العالمية، ويغير من جاذبية الين كعملة تمويل في صفقات “المراجحة” (carry trade). كما أن تقارب أو تباعد السياسة النقدية اليابانية مع سياسات البنوك المركزية الكبرى الأخرى، مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، يمكن أن يخلق تحديات أو فرصًا للمستثمرين العالميين.

في الختام، تؤكد تصريحات محافظ بنك اليابان على استمرار النهج الحذر والمتأني في إدارة السياسة النقدية. فبينما يرى البنك مؤشرات إيجابية، إلا أنه يدرك تمامًا حساسية الوضع الاقتصادي والحاجة إلى تقييم دقيق للبيانات قبل اتخاذ أي خطوات مستقبلية. هذا التوازن بين دعم النمو ومكافحة التضخم يظل التحدي الأكبر أمام صانعي السياسات في اليابان.

spot_imgspot_img