
في تحذير عالمي يثير القلق، أكد خبراء أن زيادة الوزن وارتفاع ضغط الدم لا يمثلان مجرد عوامل مصاحبة للخرف، بل هما سببان مباشران لتدمير الذاكرة وزيادة خطر الإصابة بالخرف في مراحل متقدمة من العمر. هذه النتائج الحاسمة، التي توصلت إليها دراسة حديثة قادتها جامعة بريستول البريطانية، تفتح آفاقاً جديدة للوقاية من ملايين الحالات حول العالم من خلال التركيز على فقدان الوزن والسيطرة الفعالة على ضغط الدم. لطالما ارتبطت السمنة في منتصف العمر، التي تُعرَّف بمؤشر كتلة جسم يبلغ 30 أو أكثر، بزيادة خطر الإصابة بالخرف، لكن الجدل ظل قائماً حول ما إذا كان هذا الخطر ناتجاً عن السمنة نفسها أم عن عوامل نمط الحياة الأخرى المعقدة. الآن، حسمت هذه الدراسة الجدل، مؤكدة وجود علاقة سببية مباشرة بين ارتفاع مؤشر كتلة الجسم والخرف الوعائي تحديداً.
الخلفية التاريخية والسياق العالمي لتحدي السمنة والخرف
على مدى العقود الماضية، شهد العالم ارتفاعاً مقلقاً في معدلات السمنة وارتفاع ضغط الدم، ليصبحا وباءين عالميين يؤثران على مليارات الأشخاص. في الوقت نفسه، ومع تزايد متوسط العمر المتوقع، أصبح الخرف يمثل تحدياً صحياً واجتماعياً واقتصادياً هائلاً. لطالما اعتُبر الخرف، وخاصة مرض ألزهايمر، جزءاً لا مفر منه من الشيخوخة، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف عن دور العوامل القابلة للتعديل في الوقاية منه. هذه الدراسة تأتي لتعزز هذا التوجه، مؤكدة أن صحة القلب والأوعية الدموية تلعب دوراً محورياً في الحفاظ على صحة الدماغ والوظائف الإدراكية على المدى الطويل. إن فهم هذه الروابط السببية المباشرة يمثل خطوة هائلة نحو تطوير استراتيجيات وقائية أكثر فعالية.
كيف تؤدي السمنة وارتفاع ضغط الدم إلى تدمير الذاكرة؟
الخرف الوعائي، وهو ثاني أكثر أنواع الخرف شيوعاً بعد ألزهايمر، يحدث بشكل أساسي نتيجة انخفاض تدفق الدم إلى الدماغ. هذا الانخفاض الحرج في التروية الدموية يؤدي إلى تلف الخلايا العصبية وموتها بمرور الوقت، مما يؤثر سلباً على الذاكرة والقدرات المعرفية الأخرى. غالباً ما يكون هذا الضرر ناتجاً عن تضيق أو انسداد الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ، أو بسبب السكتات الدماغية الصامتة أو الواضحة، وهي حالات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعوامل نمط الحياة غير الصحية مثل السمنة وارتفاع ضغط الدم غير المسيطر عليه. تؤدي السمنة إلى التهاب مزمن في الجسم ومقاومة للأنسولين، وكلاهما يضر بالأوعية الدموية، بينما يضعف ارتفاع ضغط الدم جدران الأوعية الدموية ويزيد من خطر تكون الجلطات، مما يعيق تدفق الدم الحيوي إلى الدماغ.
وفي هذا الصدد، علقت الطبيبة الاستشارية والمتخصصة في أمراض الشيخوخة، الدكتورة روث فريكّه-شميدت، قائلة: «توصلنا في هذه الدراسة إلى أن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم وارتفاع ضغط الدم هما سببان مباشران للخرف، وليس مجرد مؤشرات تحذيرية. والوقاية منهما تمثل فرصة غير مستغلة للحد من انتشار المرض المدمر الذي يؤثر على حياة الملايين».
بيانات ضخمة ونتائج حاسمة: منهجية العشوائية المندلية
للتوصل إلى هذه النتائج الحاسمة، اعتمد الباحثون على تحليل بيانات ضخمة لأكثر من 500 ألف شخص من الدنمارك والمملكة المتحدة. استخدم الفريق البحثي أسلوباً علمياً متقدماً يُعرف بـ«العشوائية المندلية»، وهو نهج يسمح بدراسة التأثيرات الجينية بعيداً عن العوامل السلوكية المعقدة مثل التدخين أو النظام الغذائي. أظهرت النتائج بوضوح أن الأشخاص الذين لديهم استعداد جيني لارتفاع مؤشر كتلة الجسم كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف الوعائي. والأكثر إثارة للانتباه هو أن نحو ربع هذا الخطر يعود بشكل مباشر إلى ارتفاع ضغط الدم، مما يبرز الأهمية القصوى لعلاج هذه الحالة والسيطرة عليها في تقليل احتمالات الإصابة بالخرف.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع: أزمة صحية عالمية وفرص للوقاية
الخرف ليس مجرد مشكلة فردية، بل هو أزمة صحية عالمية تتفاقم باستمرار. يصيب هذا المرض المدمر حالياً نحو 50 مليون شخص حول العالم، ومع قلة الخيارات العلاجية الفعالة، تظل الوقاية هي السلاح الأقوى. هذه الدراسة تقدم دليلاً قوياً على أن معالجة السمنة وارتفاع ضغط الدم يمكن أن تقلل بشكل ملموس من خطر الخرف الوعائي، مما يمثل بارقة أمل لملايين الأسر. إن التأثير المتوقع لهذه النتائج كبير على المستويين المحلي والدولي؛ فهي تدعو إلى إعادة تقييم شاملة لاستراتيجيات الصحة العامة، وضرورة إطلاق حملات توعية مكثفة حول مخاطر السمنة وارتفاع ضغط الدم على صحة الدماغ. يمكن أن يؤدي تبني سياسات صحية تدعم أنماط الحياة الصحية إلى تخفيف العبء الهائل الذي يفرضه الخرف على أنظمة الرعاية الصحية والاقتصادات العالمية.
وفي بريطانيا، يُصنَّف شخصان من كل ثلاثة على أنهم يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، وهو اتجاه مقلق ارتبط بتغيرات واضحة في الدماغ وزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، فضلاً عن ارتفاع معدلات السكري من النوع الثاني وضغط الدم، حتى بين من هم دون سن الأربعين. هذه الأرقام تعكس واقعاً عالمياً يتطلب تدخلاً عاجلاً.
أدوية إنقاص الوزن: أمل جديد أم حل مؤقت؟
مع ظهور أدوية إنقاص الوزن الحديثة، شهد علاج السمنة تحولاً كبيراً، حيث توفر هذه الأدوية فقداناً ملحوظاً للوزن وفوائد قلبية واستقلابية واضحة. لكن الدكتورة فريكّه-شميدت حذّرت قائلة: «لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت أدوية إنقاص الوزن، عند استخدامها قبل ظهور الأعراض الإدراكية، قادرة على الوقاية من الخرف. فقد أظهرت تجارب سابقة عدم تحقيق فائدة واضحة في المراحل المبكرة من ألزهايمر». وأضافت أن الدراسة تدعم بقوة فكرة أن التدخل المبكر لإنقاص الوزن والتحكم في ضغط الدم قد يكون مفتاحاً للوقاية من الخرف، خصوصاً الخرف الوعائي، قبل أن يتطور الضرر الدماغي بشكل لا رجعة فيه.
أرقام مقلقة وتوقعات مستقبلية
يعيش حالياً نحو 900 ألف شخص مع الخرف في المملكة المتحدة، ومن المتوقع أن يتجاوز العدد 1.6 مليون بحلول عام 2040. والخرف الوعائي هو ثاني أكثر أنواع الخرف شيوعاً بعد ألزهايمر، كما يُعد الخرف السبب الأول للوفاة في بريطانيا، مسجلاً أكثر من 74 ألف حالة وفاة سنوياً. وفي الولايات المتحدة، يعاني نحو 6.7 مليون شخص فوق 65 عاماً من الخرف، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى قرابة 14 مليوناً بحلول عام 2060. هذه الإحصائيات تؤكد الحاجة الملحة للتحرك الآن، فكل إجراء وقائي يتخذ اليوم يمكن أن ينقذ ملايين الأرواح ويحسن جودة حياة أعداد لا تحصى من الأفراد في المستقبل.


