ودّع الوسط الإعلامي والدعوي في المملكة العربية السعودية والعالم الإسلامي أمس، ببالغ الحزن والأسى، قامة إعلامية بارزة وصوتاً إذاعياً خالداً، هو المذيع القدير عبدالكريم بن صالح المقرن. ارتبط صوت الفقيد بذاكرة أجيال من المستمعين عبر أثير إذاعة القرآن الكريم، حيث كان رمزاً للرصانة والهدوء في تقديم البرامج الدينية التي أثرت المشهد الدعوي لسنوات طويلة. جاءت وفاته بعد معاناة صحية بدأت بعملية جراحية في المرارة، تلتها مضاعفات خطيرة طالت القلب والرئتين والكلى، مما استدعى نقله إلى العناية المركزة حيث ظل منوَّماً إلى أن وافته المنية، مخلفاً فراغاً كبيراً وحزناً عميقاً في قلوب محبيه وزملائه.
يُعد الفقيد من الأسماء اللامعة التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ الإعلام الإذاعي بالمملكة. فقدّم خلال مسيرته المهنية الحافلة عدداً من البرامج الدينية التي شكّلت علامة فارقة في نشر العلم الشرعي وتعزيز الوعي الديني لدى المستمعين. من أبرز هذه البرامج وأكثرها تأثيراً كان برنامج «نور على الدرب» و«فتاوى»، اللذان ارتبطا بصوته الهادئ وأسلوبه الرصين لسنوات طويلة، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الهوية الإذاعية الدينية السعودية.
مسيرة إذاعية حافلة وإرث دعوي عظيم
لم يكن عبدالكريم المقرن مجرد مذيع، بل كان جسراً بين كبار العلماء وعامة المستمعين. شارك في تقديم أجزاء واسعة من برنامج «نور على الدرب» عبر إذاعة القرآن الكريم، وهو البرنامج الذي يُعد منارة علمية ودعوية فريدة من نوعها، بدأ بثه في سبعينيات القرن الماضي، واستضاف كبار علماء المملكة لتقديم الفتاوى والإجابة على أسئلة المستمعين في مختلف جوانب الحياة الدينية والدنيوية. لقد أسهم هذا البرنامج، بفضل أمثال المقرن، في ترسيخ المنهج الشرعي الوسطي وتصحيح المفاهيم الخاطئة، مما جعله مرجعاً موثوقاً لملايين المسلمين ليس في السعودية فحسب، بل في العالم العربي والإسلامي.
كما واصل الفقيد تقديم برامج سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز –رحمه الله– عقب وفاة المذيع سليمان الشبانة، وهي مهمة تتطلب دقة وأمانة في نقل العلم الشرعي، وهو ما أتقنه المقرن ببراعة. وشارك كذلك في برامج الفتاوى مع أعضاء هيئة كبار العلماء، إلى جانب تقديمه لبرامج علمية وتوعوية متخصصة أخرى، رسّخت مكانته كأحد الأصوات الموثوقة والمؤثرة في الإذاعة السعودية، وعززت دوره في نشر الخير والمعرفة.
تأثير واسع النطاق وإرث لا يزول
إن رحيل المذيع عبدالكريم المقرن يمثل خسارة كبيرة للساحة الإعلامية والدعوية. فصوته الذي كان يصدح بالقرآن الكريم والعلم الشرعي، وصل إلى ملايين البيوت والقلوب، مساهماً في بناء الوعي الديني وتوجيه الأمة. لقد كان لبرامج إذاعة القرآن الكريم، التي كان المقرن أحد أبرز وجوهها، دور محوري في تشكيل الوعي الديني للمجتمع السعودي على مدى عقود، وامتد تأثيرها ليشمل المنطقة بأسرها بفضل سهولة الوصول إليها وانتشارها الواسع. لقد كان المقرن مثالاً للإعلامي الملتزم الذي سخّر موهبته لخدمة دينه ووطنه، وترك خلفه إرثاً دعوياً وإعلامياً غنياً سيظل خالداً في ذاكرة الأمة.
ومن المقرر أن يُصلّى على الفقيد اليوم (السبت) بعد صلاة العصر في جامع الراجحي بالرياض، على أن يكون العزاء في المقبرة. نسأل الله أن يتغمّد الفقيد بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يجزيَه خير الجزاء على ما قدمه من جهود مباركة في خدمة الإسلام والمسلمين.


