خيّم الحزن العميق على الأوساط الإعلامية والثقافية في المملكة العربية السعودية، مع إعلان رحيل قمتين إعلاميتين بارزتين في يوم واحد، الجمعة 23 يناير. فقد ودّع الإعلام السعودي المذيع القدير عبدالكريم بن صالح المقرن، الذي عُرف بـ«صوت الطمأنينة» في إذاعة القرآن الكريم، والإعلامي المخضرم خبير الأرصاد الجوية حسن كراني، «عميد نشرات الطقس» في التلفزيون السعودي. هذا التزامن في رحيل شخصيتين تركتا بصمة لا تُمحى في الوعي والوجدان السعودي، أثار موجة من الأسى والتقدير لمسيرتيهما الحافلتين بالعطاء.
السياق التاريخي وأهمية الإعلام في السعودية
في فترة زمنية شهدت فيها المملكة العربية السعودية تطوراً متسارعاً في البنية التحتية الإعلامية، لعبت الإذاعة والتلفزيون دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام وتثقيف المجتمع. كانت إذاعة القرآن الكريم، التي انطلقت في ستينيات القرن الماضي، منارة للعلم الشرعي والتوجيه الديني، بينما مثل التلفزيون السعودي، الذي بدأ بثه الرسمي في منتصف الستينيات، النافذة الرئيسية للمواطنين على الأخبار والمعلومات والبرامج الترفيهية. في هذا السياق، برزت شخصيات إعلامية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي، محققة حضوراً طاغياً في كل بيت سعودي. عبدالكريم المقرن وحسن كراني هما خير مثال على هذه القامات التي لم تكن مجرد مذيعين أو خبراء، بل رموزاً ارتبطت بها أجيال كاملة.
عبدالكريم المقرن: صوت العلم والطمأنينة الذي لا يُنسى
ودّع الوسط الإعلامي المذيع عبدالكريم المقرن بعد صراع مع المرض، بدأ بعملية جراحية في المرارة، وتطورت مضاعفاتها لتؤثر على القلب والرئتين والكلى، مما استدعى تنويمه في العناية المركزة حتى وافته المنية. يُعد المقرن من الأسماء اللامعة التي ارتبط صوتها لسنوات طويلة ببرامج إذاعية دينية شكّلت علامة فارقة في إذاعة القرآن الكريم. كان صوته الهادئ والرصين، وأسلوبه الواضح والمقنع، مفتاحاً لقلوب وعقول المستمعين.
مسيرة إذاعية مؤثرة وإرث ديني عميق
اشتهر المقرن بتقديمه لبرامج أيقونية مثل «نور على الدرب» و«فتاوى»، حيث أسهم من خلالها في نشر العلم الشرعي الصحيح وتعزيز الوعي الديني بأسلوب يجمع بين الرصانة والسهولة. وبعد وفاة المذيع سليمان الشبانة، تولى الفقيد تقديم أجزاء واسعة من برنامج «نور على الدرب» لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – مما جعله حلقة وصل بين كبار العلماء والجمهور العريض. كما شارك في برامج الفتاوى مع أعضاء هيئة كبار العلماء، إضافة إلى برامج دينية وإذاعية متخصصة ذات طابع علمي وتوعوي. لم يكن المقرن مجرد قارئ للنصوص، بل كان محاوراً متمكناً، قادراً على تبسيط المفاهيم الشرعية المعقدة، وتقديمها بأسلوب يبعث على الطمأنينة والثقة، مما رسّخ مكانته كواحد من الأصوات الموثوقة والمؤثرة في الإذاعة السعودية، وترك إرثاً روحياً وعلمياً يمتد لأجيال.
حسن كراني: عميد الطقس ورفيق الشاشات السعودية
في اليوم ذاته، غيّب الموت الإعلامي خبير الأرصاد الجوية حسن كراني عن عمر ناهز 77 عاماً، بعد مسيرة مهنية تجاوزت أربعة عقود. ظل خلالها حاضراً في ذاكرة المشاهدين السعوديين بصوته المألوف وعباراته الخالدة في نشرات الطقس عبر التلفزيون السعودي. ارتبط اسمه بالمطر والخير، وأصبح رمزاً للتنبؤات الجوية الدقيقة والموثوقة.
رحلة علمية وإعلامية رائدة
بدأت رحلة كراني العلمية والإعلامية في مكة المكرمة عام 1949، حيث أظهر شغفاً مبكراً بالعلوم واللغات. انطلق في مسيرته المهنية عبر الإذاعة السعودية، ثم تخصص في مجال الأرصاد الجوية، ليصبح منذ عام 1978 أحد أبرز الوجوه التلفزيونية في هذا المجال. لم يكن كراني مجرد مقدم نشرات جوية، بل كان عالماً وخبيراً أسهم في بناء وتطوير البنية التحتية للأرصاد في المملكة. عُرف بأسلوبه العفوي وحضوره الدافئ، وارتبط اسمه بعبارته الشهيرة في ختام النشرات: «شكراً لكم ومع السلامة»، و«أعزائي شكراً لإصغائكم مع أحلى الأماني»، التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الإعلامية الوطنية وجملة متداولة بين الناس.
إرث علمي وإعلامي راسخ وتأثير مجتمعي
خلال مسيرته الحافلة، ساهم كراني في تأسيس وبناء المركز الوطني للأرصاد، وشارك بفاعلية في تطوير منظومة التنبؤات الجوية في المملكة، مما عزز قدرة البلاد على التعامل مع الظواهر الجوية المختلفة. تقلّد مناصب إدارية رفيعة في الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة، وعمل مستشاراً في العديد من المؤتمرات والندوات المتخصصة بالمناخ والكوارث الطبيعية، ليغدو مرجعاً موثوقاً للجمهور والباحثين على حد سواء. حتى بعد تقاعده رسمياً عام 2019، حافظ على حضوره النشط عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وظل قريباً من الناس، يشاركهم تحليلاته وتوقعاته، مما يعكس مدى ارتباطه بجمهوره وشغفه بمجاله حتى وافته المنية بعد رحلة علاج استمرت قرابة 7 أشهر في مجمع الملك عبدالله الطبي بمحافظة جدة.
وداع مؤثر وتأثير يتجاوز الشاشات
لقد خيّم الحزن على الوسط الإعلامي السعودي والعربي بأسره، فيما نعى عدد كبير من الإعلاميين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي الفقيدين، مستذكرين أثرهما الكبير ومسيرتيهما الزاخرتين بالعطاء. إن رحيل عبدالكريم المقرن وحسن كراني في يوم واحد يمثل خسارة فادحة للإعلام السعودي، لكن إرثهما سيبقى خالداً. فقد شكّلا جزءاً أساسياً من الذاكرة الجمعية للمملكة، وأسهما في بناء الوعي الديني والعلمي، وتركا بصمة لا تُمحى في قلوب وعقول أجيال متعاقبة، ليظلا «صوت الطمأنينة» و«تباشير المطر» في ذاكرة الوطن.


