تشهد منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في التوترات الجيوسياسية، لا سيما بين الولايات المتحدة وإيران. وفي هذا السياق، كشفت تقديرات استخباراتية إسرائيلية عن بلوغ حجم الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة مستويات قياسية هذا الأسبوع، واصفةً إياه بأنه الأعلى منذ عملية عسكرية سابقة ضد إيران في يونيو الماضي. هذا التحشيد يثير تساؤلات جدية حول الأهداف الحقيقية لواشنطن وتداعياته المحتملة على استقرار المنطقة والعالم.
تأتي هذه التطورات في ظل تاريخ طويل من العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي شهدت تصعيداً كبيراً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018، وتبني إدارة الرئيس دونالد ترامب سياسة “الضغط الأقصى” على طهران. هذه السياسة شملت فرض عقوبات اقتصادية صارمة ووجوداً عسكرياً متزايداً في الخليج العربي، بهدف دفع إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية جديدة أو تغيير سلوكها الإقليمي. لطالما كانت منطقة الخليج العربي ذات أهمية استراتيجية قصوى للولايات المتحدة وحلفائها، نظراً لدورها المحوري في إمدادات الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية.
منصة لهجوم عسكري محتمل أم ورقة ضغط؟
تزامن هذا التحشيد الميداني مع زيارة هي الثانية إلى تل أبيب لقائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) الأدميرال براد كوبر، مما يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق الأمني بين الجانبين. أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن المؤسسة الدفاعية في إسرائيل تقوم بتحليل هذه الزيادة في انتشار القوات الأمريكية كخطوة قد تكون بمثابة منصة لهجوم عسكري واسع النطاق ضد إيران، أو كتهديد عسكري موثوق يهدف إلى ممارسة ضغط مكثف على طهران لدفعها نحو التوصل إلى اتفاق جديد. هذا التفسير يعكس القلق الإسرائيلي العميق من البرنامج النووي الإيراني ونفوذها الإقليمي.
وعلى الرغم من الحوار المستمر مع الجيش الأمريكي، أوضح مصدر أمني إسرائيلي أنه حتى الآن “لا يوجد تنسيق عملياتي بشأن إيران”، وأن كيفية تصرف الرئيس دونالد ترامب لا تزال غير واضحة. هذا الغموض يضيف طبقة من التعقيد إلى المشهد، حيث أن القرارات النهائية غالباً ما تكون بيد القيادة السياسية العليا.
تأهب إيراني وتحذيرات إقليمية
من جانبها، أعلنت طهران أنها في حالة تأهب قصوى ومستعدة لأسوأ السيناريوهات، ملوحةً برد عسكري “غير مسبوق” على أي تحرك يستهدفها، ومؤكدة أنها ستتعامل مع أي هجوم على أنه “حرب شاملة”. هذا الموقف يعكس تصميم إيران على الدفاع عن سيادتها ومصالحها، ويشير إلى المخاطر الكبيرة لأي تصعيد عسكري في المنطقة.
وفي سياق متصل، حذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن هناك مؤشرات على أن إسرائيل لا تزال تبحث عن فرصة لشن هجوم على إيران، مؤكداً أن مثل هذه الخطوة قد تزيد من زعزعة استقرار المنطقة بشكل خطير. وأضاف: “آمل أن يجدوا طريقاً مختلفاً، لكن الحقيقة هي أن إسرائيل، وعلى وجه الخصوص، تبحث عن فرصة لشن هجوم على إيران وهناك مؤشرات على ذلك”. هذه التحذيرات التركية تسلط الضوء على المخاوف الإقليمية من اتساع نطاق الصراع.
القرار بيد الرئيس الأمريكي وحده: استراتيجية الضغط والدعم
بدورها، أكدت الخارجية الأمريكية أن قرار العمل العسكري ضد إيران بيد الرئيس دونالد ترامب وحده. وأفادت نائبة المتحدث باسم الوزارة، مينيون هيوستن، أن الرئيس ترامب وحده من يملك صلاحية اتخاذ القرار بشأن أي عمل عسكري محتمل تجاه إيران، لافتةً إلى أن الاستراتيجية الأمريكية الحالية تركز على دعم الشعب الإيراني. وأضافت أن “الرئيس يحرص على إيصال رسالة واضحة للشعب الإيراني بأننا نقف إلى جانبه”.
كما أشارت هيوستن إلى الخطوات العملية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية، مثل فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، وعقوبات على أفراد داخل إيران، مؤكدة أن هذه “إجراءات ملموسة” تهدف إلى الضغط على النظام الإيراني. وكان السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، قد ألمح إلى أن الرئيس ترامب لا تزال تراوده الشكوك بشأن توقف إيران عن إعدام المتظاهرين، مؤكداً سعي واشنطن للحصول على أدلة على التوقف عن إعدامهم، وفي حال عدم توفر هذه الأدلة سيكون هناك هجوم أمريكي. هذا يربط بين السياسة الخارجية الأمريكية وقضايا حقوق الإنسان في إيران.
التداعيات المحتملة على المنطقة والعالم
إن أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط، وخاصة بين قوى بحجم الولايات المتحدة وإيران، يحمل في طياته تداعيات خطيرة تتجاوز حدود المنطقة. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار دول الجوار، وتأجيج الصراعات القائمة، وتدفق اللاجئين. أما على الصعيد العالمي، فمن المتوقع أن يؤثر بشكل مباشر على أسعار النفط العالمية، وحركة الملاحة في المضائق الحيوية مثل مضيق هرمز، مما يهدد الاقتصاد العالمي. تظل الدبلوماسية والبحث عن حلول سلمية هي السبيل الأمثل لتجنب كارثة إنسانية واقتصادية محتملة، على الرغم من التعقيدات الراهنة.


