spot_img

ذات صلة

إستراتيجية الدفاع الأمريكية 2026: أولويات جديدة ومواجهة روسيا

في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة، كشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن وثيقة “إستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026″، التي تعيد رسم ملامح الأولويات الدفاعية للولايات المتحدة. تأتي هذه الإستراتيجية في أعقاب عقدين من التركيز على مكافحة الإرهاب، ثم تحول تدريجي نحو المنافسة مع القوى العظمى، لا سيما الصين. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة، وعلى رأسها الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، أعادت صياغة المشهد الأمني العالمي، مما استدعى مراجعة شاملة للمخاطر والتهديدات. هذه الوثيقة تعكس فهماً متجدداً للتحديات، مع التركيز على حماية الأراضي الأمريكية ومصالحها الحيوية في نصف الكرة الغربي، مع الإبقاء على دور محوري في التحالفات التقليدية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

روسيا: تهديد مستمر ولكن محدود القدرة

حذّرت الوثيقة العسكرية الأمريكية بوضوح من أن روسيا ستظل تشكل تهديداً مستمراً لدول الجناح الشرقي لحلف الناتو في المستقبل القريب. هذا التقييم يأتي في سياق تاريخي طويل من التوترات بين روسيا والغرب، والذي تصاعد بشكل كبير بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، ثم غزوها الشامل لأوكرانيا. هذه الأحداث كشفت عن تصميم روسي على إعادة تأكيد نفوذها في جوارها القريب، حتى لو كان ذلك على حساب القانون الدولي والاستقرار الإقليمي.

ومع ذلك، أكدت الإستراتيجية أن روسيا لا تملك القدرة على السعي للهيمنة على أوروبا بأكملها. هذا الاستنتاج مبني على تحليل دقيق للواقع الديموغرافي والاقتصادي للقارة الأوروبية، التي يتجاوز عدد سكانها وحجم اقتصادها عدد سكان وحجم اقتصاد روسيا بكثير. فالدول الأوروبية الأعضاء في الناتو، مجتمعة، تتمتع بقوة اقتصادية وبشرية تفوق بكثير ما تملكه روسيا، مما يحد من قدرة موسكو على فرض سيطرة واسعة النطاق.

تحول في الأولويات الأمريكية: من الصين إلى الوطن

في تحول ملحوظ عن الإستراتيجيات السابقة، أفادت وزارة الدفاع الأمريكية بأن التركيز الأساسي للجيش الأمريكي لم يعد على الصين بشكل رئيسي، بل على أراضي الولايات المتحدة وحماية مصالحها في نصف الكرة الغربي. هذا لا يعني إهمال التحدي الصيني، الذي لا يزال يُنظر إليه على أنه منافس استراتيجي طويل الأمد، ولكنه يعكس إعادة تقييم للمخاطر المباشرة والأولويات الفورية. فالوثيقة تؤكد على ضرورة تعزيز الدفاعات الوطنية الأمريكية ضد أي تهديدات محتملة، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية، مع التركيز على الأمن الإقليمي في الأمريكتين.

تحدث التقرير عن موسكو بشكل موجز نسبياً، واصفاً إياها بأنها ستظل تشكل تهديداً مستمراً ولكن يمكن السيطرة عليه لأعضاء الجناح الشرقي في الناتو في المستقبل القريب. هذا التوصيف يشير إلى أن البنتاغون يرى أن التهديد الروسي، على الرغم من خطورته، يمكن احتواؤه وإدارته من خلال الردع القوي والتعاون مع الحلفاء.

قدرات روسيا ومواطن ضعفها

على الرغم من أن روسيا تعاني من مجموعة متنوعة من الصعوبات الديموغرافية والاقتصادية، والتي تفاقمت بفعل العقوبات الدولية المفروضة عليها بعد غزو أوكرانيا، إلا أن حربها المستمرة في أوكرانيا تظهر أنها لا تزال تحتفظ بمخزون كبير من القوة العسكرية والصناعية. كما أظهرت روسيا أنها تملك العزيمة الوطنية اللازمة لمواصلة حرب طويلة الأمد في جوارها القريب، مما يشكل تحدياً كبيراً للأمن الأوروبي.

بالإضافة إلى ذلك، تمتلك روسيا أكبر ترسانة نووية في العالم، والتي تواصل تطويرها وتنويعها. كما أنها تمتلك قدرات متقدمة تحت سطح البحر، وفي الفضاء، وفي مجال الحرب السيبرانية، والتي يمكن أن تستخدمها ضد الأراضي الأمريكية وحلفائها. هذه القدرات المتنوعة تجعل من روسيا خصماً يجب التعامل معه بجدية وحذر، حتى مع الاعتراف بحدود قوتها الشاملة.

أوروبا الشرقية والناتو: حجر الزاوية في الدفاع

أكدت الوثيقة أن التهديد العسكري الروسي يُركز في المقام الأول على أوروبا الشرقية، مما يستدعي يقظة مستمرة وتعزيزاً للدفاعات في هذه المنطقة. ولضمان الاستعداد اللازم، أكدت وزارة الدفاع الأمريكية أنها ستضمن استعداد القوات الأمريكية للدفاع عن أراضي الولايات المتحدة ضد التهديدات الروسية، وستواصل لعب دور حيوي في حلف الناتو نفسه. هذا الدور يشمل موازنة وضع القوات الأمريكية وأنشطتها في مسرح العمليات الأوروبي لمراعاة التهديد الروسي للمصالح الأمريكية وكذلك قدرات حلفائنا.

تاريخياً، لعب الناتو دوراً حاسماً في الحفاظ على الأمن الأوروبي منذ تأسيسه في عام 1949. ومع تصاعد التوترات مع روسيا، أصبح تعزيز الجناح الشرقي للناتو أولوية قصوى، مع نشر قوات إضافية وتدريبات مشتركة لردع أي عدوان محتمل.

التفوق الأوروبي على روسيا: دعوة لتقاسم الأعباء

شددت الوثيقة على أن موسكو ليست في وضع يسمح لها بالسعي إلى الهيمنة على أوروبا، مشيرة إلى أن أعضاء الناتو الأوروبيين يتفوقون على روسيا من حيث حجم الاقتصاد والسكان، وبالتالي القوة العسكرية الكامنة. هذا التفوق واضح؛ فالاقتصاد الألماني وحده يتفوق على الاقتصاد الروسي، ناهيك عن القوى الاقتصادية الكبرى الأخرى في أوروبا.

وعلى الرغم من أن أوروبا لا تزال مهمة للولايات المتحدة، فإن حصتها من القوة الاقتصادية العالمية “أصغر وآخذة في التناقص”، وفق الإستراتيجية. وبالتالي، على الرغم من استمرار المشاركة الأمريكية في أوروبا، يتعين على الولايات المتحدة إعطاء الأولوية للدفاع عن الأراضي الأمريكية وردع الصين. هذا التوجه يتوافق مع دعوات سابقة من الإدارة الأمريكية لزيادة حلفاء الناتو لإنفاقهم الدفاعي. وقد التزم حلفاء الناتو بالفعل بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى المعيار العالمي الجديد البالغ 2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، مع استثمار جزء كبير من الناتج المحلي الإجمالي في القدرات العسكرية. هذا الالتزام يعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً لضرورة تحمل المزيد من المسؤولية عن أمنهم الخاص.

تأثير الإستراتيجية وتداعياتها

تتوافق وثيقة البنتاغون هذه مع إستراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الإدارة الأمريكية قبل أسابيع، والتي تنص على أن الولايات المتحدة ستعيد تأكيد هيمنتها في نصف الكرة الغربي، وتبني قوتها العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وربما تعيد تقييم علاقتها مع أوروبا. هذه الإستراتيجية تمثل تحولاً كبيراً في السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية، مع تداعيات محتملة على التوازنات الجيوسياسية العالمية.

على المدى القصير، من المتوقع أن تؤدي هذه الإستراتيجية إلى تعزيز الدفاعات الأمريكية في الداخل، وزيادة التركيز على الأمن في الأمريكتين. أما على المدى الطويل، فقد تشجع هذه الإستراتيجية الحلفاء الأوروبيين على تسريع جهودهم لتعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية، مما قد يؤدي إلى أوروبا أكثر استقلالية وقدرة على إدارة أمنها الخاص. وفي الوقت نفسه، فإن التحدي الصيني، على الرغم من عدم كونه التركيز الأساسي المباشر في هذه الوثيقة، سيظل عاملاً مهماً في التخطيط الاستراتيجي الأمريكي، مما يعكس تعقيد المشهد الأمني العالمي متعدد الأقطاب.

spot_imgspot_img