أسعار النفط تقفز: برنت يتجاوز 65 دولاراً وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية ومشاكل الإمداد
شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً عند التسوية، لتسجل أعلى مستوياتها في أكثر من أسبوع، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتحديات الإمداد العالمية. جاء هذا الارتفاع في أعقاب تكثيف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لضغوطه على إيران، عبر فرض عقوبات إضافية تستهدف السفن التي تنقل نفطها، بالإضافة إلى إعلانه عن توجيه أسطول حربي نحو الدولة الواقعة في الشرق الأوسط، مما أثار مخاوف بشأن استقرار الإمدادات النفطية.
وعلى صعيد الأسعار، زادت العقود الآجلة لخام برنت تسليم شهر مارس 1.82 دولار، أو 2.8%، لتصل إلى 65.88 دولار للبرميل عند التسوية، وهو أعلى مستوى يسجله الخام منذ 14 يناير الجاري. كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بمقدار 1.71 دولار، أو 2.9%، ليبلغ 61.07 دولار للبرميل، مسجلاً هو الآخر أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع. وحقق كلا الخامين مكاسب أسبوعية تجاوزت 2.5%، مما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق.
خلفية التوترات الأمريكية الإيرانية وتأثيرها على سوق النفط
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخ طويل من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تصاعدت بشكل كبير بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة. تهدف هذه العقوبات بشكل أساسي إلى خنق صادرات النفط الإيرانية، التي تعد شريان الحياة لاقتصاد البلاد، مما يقلل من المعروض العالمي ويؤثر مباشرة على الأسعار. إن التهديد بنشر أسطول حربي يضيف طبقة أخرى من المخاطر، حيث يثير مخاوف بشأن أمن الملاحة في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. أي اضطراب في هذا المضيق يمكن أن يؤدي إلى قفزات هائلة في أسعار النفط.
إن الضغوط الأمريكية المتزايدة على إيران لا تؤثر فقط على قدرة طهران على تصدير نفطها، بل تخلق أيضاً حالة من عدم اليقين الجيوسياسي التي تدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة وتزيد من علاوة المخاطرة في أسعار النفط. هذه العوامل مجتمعة تساهم في تقلبات السوق وتجعل التنبؤ بمسار الأسعار أكثر صعوبة.
تحديات الإمداد من كازاخستان تزيد الضغط
في الوقت نفسه، تفاقمت مشكلات الإمداد العالمية بسبب تعطل الإنتاج في حقل تنجيز بكازاخستان، أحد أكبر حقول النفط في العالم. أفادت إحدى شركات النفط العالمية أن الإنتاج من الحقل لم يستأنف بعد، وذلك بعد إعلان الشركة المشغلة عن إيقاف الإنتاج يوم الاثنين إثر اندلاع حريق. هذه الحادثة أضافت طبقة أخرى من التعقيد لسوق النفط العالمي، خاصة وأن كازاخستان تعد منتجاً رئيسياً للنفط خارج منظمة أوبك+.
ولم تكن هذه المشكلة الوحيدة التي تواجه قطاع النفط في كازاخستان، الذي يعاني أصلاً من اختناقات في منفذ التصدير الرئيسي على البحر الأسود. وقد تضررت هذه البنية التحتية الحيوية مؤخراً من هجمات بطائرات مسيرة أوكرانية، مما يزيد من صعوبة نقل النفط الكازاخستاني إلى الأسواق العالمية ويقلل من مرونة الإمدادات.
توقعات الإنتاج وتأثيرها الاقتصادي
وفي هذا الصدد، أشار بنك «جيه.بي مورغان» إلى أن حقل تنجيز، الذي يمثل نحو نصف إنتاج كازاخستان، قد يظل خارج الخدمة لبقية الشهر. وتوقع البنك أن يراوح متوسط إنتاج كازاخستان من النفط الخام بين مليون و1.1 مليون برميل يومياً فقط في يناير الجاري، مقارنة بالمستوى المعتاد الذي يبلغ نحو 1.8 مليون برميل يومياً. هذا الانخفاض الكبير في الإنتاج يمثل ضربة قوية للإمدادات العالمية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الأخرى.
إن الارتفاع في أسعار النفط له تداعيات اقتصادية واسعة النطاق. فبالنسبة للدول المستوردة للنفط، يعني ذلك زيادة في تكاليف الطاقة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للمستهلكين. كما يؤثر على تكاليف النقل والصناعة، مما قد يبطئ النمو الاقتصادي العالمي. أما بالنسبة للدول المنتجة، فقد يعني ذلك زيادة في الإيرادات، لكنه أيضاً يزيد من مخاطر الاعتماد على سلعة واحدة متقلبة. هذه الأحداث تؤكد على هشاشة سوق الطاقة العالمي وتأثره السريع بالأحداث الجيوسياسية والكوارث الطبيعية.
وكانت أسعار النفط قد شهدت تقلبات في وقت سابق من الأسبوع الماضي، حيث صعدت على خلفية تحركات ترمب بشأن غرينلاند، لكنها انخفضت بنحو 2% مع تراجعه عن تهديداته بفرض رسوم جمركية على أوروبا واستبعاده القيام بعمل عسكري، مما يبرز حساسية السوق تجاه التصريحات السياسية.


