أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب جدلاً واسعاً بتصريحاته الأخيرة التي كشف فيها عن استخدام “سلاح سري” أسماه “المُربِك” أو “المُشتت” في عملية مزعومة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في كاراكاس الشهر الماضي. هذه التصريحات، التي أدلى بها لصحيفة “نيويورك بوست” الأمريكية، تفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول طبيعة هذا السلاح وتداعياته المحتملة على الساحة الدولية.
وفقاً لترمب، نجح هذا السلاح الغامض في تعطيل القدرات العسكرية للقوات الفنزويلية بشكل كامل، مما سمح لمروحيات أمريكية بالهبوط في كاراكاس في 3 يناير الماضي لتنفيذ عملية الاعتقال المزعومة. وشدد ترمب على أن “السلاح السري الجديد جعل معدات بفنزويلا لا تعمل”، مضيفاً: “لم يتمكنوا من إطلاق صواريخهم، كانت لديهم صواريخ روسية وصينية، لكنهم عجزوا عن تشغيل أي منها. دخلنا، وضغطنا على الأزرار، ولم يعمل شيء، كانوا مستعدين تماماً، لكن بلا جدوى”. ورغم رغبته في كشف المزيد من التفاصيل، أكد ترمب أن “السلاح السري مُربِك، لا يُسمح لي بالحديث عنه”.
تأتي هذه المزاعم في سياق تاريخ طويل من التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا، حيث سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وخاصة إدارة ترمب، إلى ممارسة أقصى الضغوط على نظام مادورو. فقد فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية صارمة على كاراكاس، واتهمت مادورو بالفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، ودعمت المعارضة الفنزويلية بقيادة خوان غوايدو. وفي مارس 2020، وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات لمادورو وعدد من كبار مسؤوليه بالتورط في تهريب المخدرات والإرهاب، وعرضت مكافأة قدرها 15 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله. هذه الخلفية تبرر، من منظور أمريكي، وجود دافع قوي لتنفيذ مثل هذه العملية، وإن كانت تفاصيلها تظل غامضة وغير مؤكدة رسمياً.
تصريحات ترمب اكتسبت زخماً إضافياً بعد تقارير سابقة أشارت إلى أن إدارة الرئيس جو بايدن كانت قد اشترت سلاحاً يعتمد على الطاقة النبضية، يُشتبه في ارتباطه بـ”متلازمة هافانا”. هذه المتلازمة تشير إلى سلسلة من الحوادث الصحية الغامضة التي أصابت دبلوماسيين ومسؤولين أمريكيين في كوبا ودول أخرى، وتضمنت أعراضاً مثل الصداع الشديد، الدوار، الغثيان، وفقدان السمع أو البصر. الربط بين “المُربِك” و”متلازمة هافانا” يثير مخاوف جدية حول طبيعة هذه الأسلحة غير التقليدية وقدرتها على إحداث أضرار جسدية وعصبية دون ترك آثار خارجية واضحة.
التقارير الصحفية استندت أيضاً إلى شهادات ميدانية من داخل فنزويلا، حيث تحدث مسلحون موالون لمادورو عن إصابتهم بحالات إعياء حادة، ونزيف في الأنف وتقيؤ دموي. أحد عناصر الحماية المقربين من مادورو روى تفاصيل مرعبة، قائلاً إن جميع أنظمة الرادار توقفت فجأة، ثم ظهرت طائرات مسيّرة بأعداد كبيرة، تلاها نحو 8 مروحيات تقل جنوداً أمريكيين. وأضاف الشاهد أنهم أطلقوا “شيئاً لا يستطيع وصفه، كان أشبه بموجة صوتية شديدة جداً”، مما أدى إلى شعورهم وكأن رؤوسهم ستنفجر، وبدأوا ينزفون من أنوفهم ويتقيأون دماً، وسقطوا أرضاً عاجزين عن الحركة. هذه الشهادات، إن صحت، تقدم وصفاً مروعاً لآثار السلاح المزعوم.
إن وجود وتطوير مثل هذه الأسلحة السرية، القادرة على تعطيل الأنظمة العسكرية وإحداث أضرار جسدية بالغة، يحمل تداعيات هائلة على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً في فنزويلا، قد يؤدي الكشف عن ضعف أنظمتها الدفاعية أمام تقنيات غير تقليدية إلى زعزعة الثقة في قدرة الحكومة على حماية سيادتها، وربما يؤثر على الاستقرار الداخلي. إقليمياً، قد يدفع دول المنطقة إلى إعادة تقييم قدراتها الدفاعية والاستثمار في تقنيات مضادة، مما قد يؤجج سباق تسلح جديداً. دولياً، يثير هذا الأمر أسئلة أخلاقية وقانونية خطيرة حول استخدام أسلحة غير مميتة ولكنها مسببة للعجز، وتأثيرها على قوانين الحرب وحقوق الإنسان. كما أنه يعقد العلاقات بين القوى الكبرى، خاصة وأن ترمب أشار إلى أن الصواريخ المعطلة كانت روسية وصينية الصنع، مما قد يزيد من التوترات الجيوسياسية.
في الختام، تبقى تصريحات ترمب حول “المُربِك” محاطة بالغموض والتكهنات. ففي حين يصر على وجود هذه الأسلحة وقدرتها الخارقة، يظل العالم بانتظار أدلة ملموسة تؤكد صحة هذه المزاعم التي قد تغير فهمنا للحرب الحديثة وتقنياتها السرية.


