تشهد المملكة العربية السعودية تحولاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق، مدفوعاً بـ «رؤية السعودية 2030» الطموحة، التي يقودها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان. هذه الرؤية، التي انطلقت قبل أقل من عقد، تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي ليصبح قوة عالمية متنوعة، متحررة من الاعتماد الكلي على إيرادات النفط. وفي صميم هذا التحول، يبرز قطاع السياحة والضيافة كقصة نجاح ملهمة، تستقطب اهتمام وإعجاب الدول المتقدمة والنامية على حد سواء.
لطالما اعتمد الاقتصاد السعودي تاريخياً على النفط كمصدر رئيسي للدخل، مما جعله عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. جاءت رؤية 2030 لترسم مساراً جديداً، يركز على تنويع مصادر الدخل وتنمية القطاعات غير النفطية، وفي مقدمتها السياحة. هذا التوجه الاستراتيجي لم يكن مجرد خطة اقتصادية، بل هو مشروع وطني شامل يهدف إلى بناء مستقبل مستدام ومزدهر للمملكة وشعبها، معززاً مكانتها على الساحة الدولية كمركز للابتكار والثقافة والضيافة.
لقد أحدثت الاستثمارات الضخمة التي تجاوزت 300 مليار دولار في قطاع السياحة والضيافة ثورة حقيقية في البنية التحتية والخدمات. تجلى ذلك في بناء عشرات الفنادق والمنتجعات الفاخرة، وإضافة مئات الآلاف من الغرف الفندقية الحديثة، بدءاً من مدن المستقبل مثل نيوم ومشروع البحر الأحمر، وصولاً إلى المواقع التاريخية العريقة كالدرعية والعلا. هذه المشاريع العملاقة لم تعد مجرد أفكار على الورق، بل أصبحت واقعاً ملموساً يتقدم بخطى ثابتة، ومن المتوقع أن تفتتح المزيد من المنتجعات العالمية بحلول عام 2026، لتقدم تجارب سياحية مستدامة ورفاهية تنافس أرقى الوجهات العالمية مثل الريفيرا الفرنسية وجزر المالديف.
لم تعد السياحة السعودية مجرد صناعة ثانوية، بل غدت محركاً اقتصادياً رئيسياً ذا تأثير ملموس. وتشير البيانات الصادرة عن موقع (ويجو) المتخصص في بيانات السفر إلى نمو لافت في حركة السياحة الداخلية، حيث زادت حجوزات الرحلات الجوية الداخلية بنسبة 64% خلال الشتاء الحالي. وقد تركز هذا النمو بشكل خاص على الرحلات المتجهة إلى العاصمة الرياض (بزيادة 59.44%)، والطائف (بزيادة 67.97%)، وتبوك (بزيادة 40.90%). ويعزى هذا الارتفاع إلى تعدد الخيارات المتاحة أمام السياح السعوديين، وتوافر سبل الضيافة الراقية، والرغبة المتزايدة في استكشاف المواقع الثقافية والترفيهية والترفيهية داخل المملكة، دون الحاجة إلى السفر خارجها. كما أن المناسبات الجماهيرية الكبرى في العاصمة، وتزايد أعداد المعتمرين، والاهتمام المتنامي بزيارة الجزر السياحية المعزولة في البحر الأحمر، كلها عوامل أسهمت في هذا الزخم السياحي.
تستعد المملكة لاستضافة معرض إكسبو 2030، وهو ما يدفع بوتيرة متسارعة لإنجاز مشاريع ضخمة مثل مطار الملك سلمان الدولي الجديد في الرياض، والذي سيصبح صرحاً عالمياً يخدم ملايين الزوار. ومع وجود أكثر من 250 ألف غرفة فندقية قيد التخطيط أو التشييد، فإن البنية التحتية السياحية تتوسع بشكل غير مسبوق. هذا التوسع لا يقتصر على توفير أماكن إقامة، بل يمتد ليشمل خلق فرص عمل هائلة، حيث وفر القطاع أكثر من 150 ألف وظيفة جديدة للسعوديين في مختلف مجالات الضيافة، مما يعزز التوطين ويدعم الاقتصاد المحلي.
على الصعيد الدولي، أدى الإنفاق السعودي السخي على تطوير السياحة والضيافة إلى إقبال شركات الخطوط الجوية العالمية على فتح خطوط جديدة لرحلاتها إلى الرياض وجدة، مما يعزز مكانة المملكة كمركز لوجستي وسياحي عالمي. وقد أعلن وزير السياحة أحمد الخطيب أن السعودية استقبلت 122 مليون زائر محلي ودولي خلال عام 2025، بزيادة 5% عن العام السابق. ومع طموح رؤية 2030 لاستقبال 150 مليون زائر بحلول عام 2030، تشير الأرقام الحالية بوضوح إلى أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هذا الهدف الطموح، مؤكدة قدرتها على تحويل الصحراء إلى وجهة سياحية عالمية رائدة، من خلال رؤية مبتكرة وتطوير للحفاوة السعودية التقليدية إلى صناعة ضيافة حديثة تلائم الزوار من جميع أنحاء العالم.


