مينيابوليس ونيويورك تشهدان غضباً عارماً واشتباكات عنيفة بعد مقتل مواطن أمريكي على يد عناصر وكالة الهجرة والجمارك (ICE)، مما يعيد إلى الواجهة قضايا العدالة والمساءلة في الولايات المتحدة.
تحولت الاحتجاجات المنددة بمقتل مواطن أمريكي على يد عناصر وكالة الهجرة والجمارك (ICE) في مدينة مينيابوليس الأمريكية إلى اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الشرطة. هذه الأحداث ليست بمعزل عن تاريخ المدينة الحديث، الذي شهد تصاعداً في التوترات حول قضايا العدالة العرقية ووحشية الشرطة، لا سيما بعد مقتل جورج فلويد في عام 2020، والذي أشعل شرارة احتجاجات عالمية ودفع بالنقاش حول إصلاح الشرطة إلى الواجهة. السياق التاريخي لهذه الاحتجاجات يبرز حساسية المجتمع الأمريكي تجاه استخدام القوة المفرطة من قبل سلطات إنفاذ القانون، وخصوصاً عندما تتعلق بالوكالات الفيدرالية.
وفيما دعا مدير الشرطة المحتجين إلى الهدوء وعدم تدمير المدينة، اتهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب رئيس بلدية مينيابوليس وحاكم ولاية مينيسوتا الديمقراطييْن بـ«التحريض على التمرد». هذه الاتهامات تعكس الانقسام السياسي العميق في البلاد وتلقي بظلالها على كيفية تعامل الإدارة الفيدرالية مع الاحتجاجات المحلية، وتبرز التحديات التي تواجهها السلطات في الحفاظ على النظام العام مع احترام حق التظاهر السلمي.
وكان ضباط فيدراليون من وكالة الهجرة والجمارك قد أطلقوا النار على رجل يبلغ من العمر 37 عاماً وقتلوه في مينيابوليس، وأكدت السلطات المحلية أنه أمريكي يدعى أليكس بريتي. هذه الحادثة تأتي في أعقاب سلسلة من الأحداث المماثلة التي تزيد من حدة التوتر. ففي 7 يناير، قُتلت الأمريكية رينيه غود (37 عاماً) عندما أطلق ضابط من وكالة الهجرة النار على سيارتها، وقُتل بريتي في مكان يبعد ميلاً واحداً تقريباً من موقع مقتل غود. تكرار هذه الحوادث في فترة زمنية قصيرة وفي نفس المنطقة يثير تساؤلات جدية حول بروتوكولات الاشتباك والتدريب الخاص بعناصر وكالة الهجرة والجمارك، ودورها المتزايد في العمليات المحلية التي تتجاوز صلاحياتها التقليدية في قضايا الهجرة.
وامتلأت شوارع المدينة بآلاف المتظاهرين رغم الطقس شديد البرودة، مطالبين برحيل قوات الهجرة الفيدرالية. هذه المطالب تعكس شعوراً متزايداً بالاستياء من تدخل الوكالات الفيدرالية في الشؤون المحلية، وتؤكد على أهمية السيادة المحلية في إنفاذ القانون. إلا أن عناصر الأمن الفيدرالي استخدموا الهراوات وقنابل الصوت لتفريق المتظاهرين واعتقلوا العشرات في محيط مطار المدينة، مما أدى إلى تصعيد العنف وزيادة حدة المواجهة بين المحتجين والسلطات.
لم يقتصر الغضب على مينيابوليس فحسب، بل امتدت شرارته إلى شوارع مدينة نيويورك، حيث خرج محتجون تنديداً بسقوط القتيل في مينيابوليس. وأظهرت مقاطع متداولة لافتات رفعها المشاركون كُتب عليها «مينيسوتا بدأت الأمر وحان وقت إغلاق وطني شامل»، إلى جانب شعارات تطالب بإخراج وكالة الهجرة والجمارك من كل مكان. هذا الانتشار الجغرافي للاحتجاجات يشير إلى أن القضية تتجاوز نطاق الحادثة الفردية لتصبح قضية وطنية تتعلق بسلطة وكالات إنفاذ القانون الفيدرالية وحدودها، وتأثيرها على الحريات المدنية وحقوق المواطنين.
من جانبه، اتّهم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، رئيس بلدية مينيابوليس جايكوب فراي وحاكم ولاية مينيسوتا تيم والز الديمقراطييْن بـ«التحريض على التمرد بتصريحاتهما المتغطرسة والخطيرة والمتعجرفة». وقال في منشور على منصته تروث سوشيال: إن «الشخص المقتول في مينيسوتا كان يحمل سلاحاً محشواً مع مخزنين إضافيين وكان جاهزاً للاستخدام»، لافتاً إلى تقارير تفيد بأن أفراداً من الشرطة لم يسمح لهم بأداء واجبهم، وأن ضباط وكالة الهجرة اضطروا لتوفير حماية لأنفسهم. هذه التصريحات تهدف إلى تبرير تصرفات وكالة الهجرة والجمارك وتوجيه اللوم إلى القيادات المحلية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويصعب التوصل إلى حلول.
وبررت وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية السابقة كريستي نويم ما وقع في مينيابوليس بأنه من باب الدفاع عن النفس خلال عملية استهدفت من وصفته بأنه مهاجر غير نظامي مطلوب. وقالت إن مسلحاً اقترب من الدورية التي حاولت أولاً انتزاع مسدس فقاومها، ولذلك أطلق شرطي الرصاص خوفاً على حياته وحياة زملائه، وفق تعبيرها. هذا التبرير الرسمي يواجه تدقيقاً شديداً من قبل المحتجين والمنظمات الحقوقية التي تطالب بشفافية أكبر وتحقيقات مستقلة في مثل هذه الحوادث.
بدوره، كشف قائد شرطة مينيابوليس أن «الاعتقاد السائد لديهم هو أن أكثر من عميل فيدرالي أطلقوا النار على الشخص المقتول»، وفق ما نقلت عنه شبكة «إن بي سي» تعليقاً على الحادثة. هذا التصريح يضيف طبقة أخرى من التعقيد، حيث يشير إلى احتمال وجود استخدام مفرط للقوة من قبل عدة ضباط، مما يستدعي تحقيقاً شاملاً لتحديد المسؤوليات.
وقال والز في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه تواصل مع البيت الأبيض بعد حادثة إطلاق النار التي وصفها بالمروعة، داعياً الرئيس ترمب إلى إنهاء العملية الفيدرالية في مينيسوتا بشكل فوري، وسحب آلاف الضباط الذين وصفهم بالعنيفين وغير المدربين. هذا الطلب يعكس صراع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، ويسلط الضوء على المخاوف بشأن تدريب وكفاءة القوات الفيدرالية المنتشرة في المدن.
ومع تصاعد التوتر في المدينة، أمر حاكم ولاية مينيسوتا بتفعيل الحرس الوطني في الولاية استجابة لطلب سلطات محلية، وفقاً لوسائل إعلام أمريكية. تفعيل الحرس الوطني هو إجراء استثنائي يعكس خطورة الوضع وضرورة استعادة الأمن والنظام، ولكنه أيضاً قد يزيد من التوتر إذا لم يتم التعامل معه بحذر.
وأعلن زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي تشاك شومر، أنه سيصوت بالرفض على مشروع قانون الإنفاق الخاص بوزارة الأمن الداخلي. ووصف أحداث ولاية مينيسوتا بأنها مروعة وغير مقبولة في أي مدينة أمريكية أخرى، لافتاً إلى أن مشروع قانون الإنفاق غيرُ قادر على كبح ما وصفه بانتهاكات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك. هذا الموقف السياسي الرفيع يؤكد على أن تداعيات هذه الحوادث تتجاوز الشارع لتصل إلى أروقة الكونغرس، مما قد يؤثر على التمويل والرقابة على وكالات إنفاذ القانون الفيدرالية، ويشير إلى أهمية الحدث على المستوى الوطني في تشكيل السياسات المستقبلية.


