spot_img

ذات صلة

المنتدى السعودي للإعلام 2026: الفن والدبلوماسية الثقافية

صورة المنتدى السعودي للإعلام 2026

المنتدى السعودي للإعلام 2026: الفن والدبلوماسية الثقافية في قلب الهوية العالمية

على أعتاب انطلاق المنتدى السعودي للإعلام 2026، الذي تستضيفه الرياض في الفترة من 2 إلى 4 فبراير القادم، تتجه الأنظار نحو محاوره الاستراتيجية التي تعكس التحولات العميقة في المشهد الإعلامي والثقافي للمملكة. يأتي هذا المنتدى في سياق رؤية السعودية 2030 الطموحة، التي تضع الثقافة والإعلام في صميم بناء هوية وطنية متجددة ومنفتحة على العالم. لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح منصة حيوية لصياغة السرديات، وبناء الجسور الثقافية، وتعزيز الدبلوماسية الناعمة.

تبرز جلستان من جلسات المنتدى متقاربتان في الفكرة والغاية: تحويل الفن إلى لغة مشتركة تشرح الهوية وتبني الجسور. الجلسة الأولى تضع مفهوم الدبلوماسية الإبداعية في قلب التجربة الفنية، وتبحث كيف يحمل العمل الفني جذوره المحلية وهو يخاطب جمهورًا عالميًا بوضوح وجاذبية؟ وتقترب الجلسة الثانية من الفن السعودي المعاصر بوصفه هوية متجددة، وتتوسع في الأسئلة التي تصوغ صورة المملكة دوليًا، وكيف يقرأها الآخر عبر السرد والكتاب والمراقبة الخارجية؟

تكتسب هذه المحاور أهمية خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المملكة، حيث أصبحت الثقافة والفنون جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية التنمية الشاملة. فمنذ إطلاق رؤية 2030، شهد القطاع الثقافي طفرة غير مسبوقة، مدعومة بمبادرات مثل إنشاء وزارة الثقافة والعديد من الهيئات المتخصصة، مما أتاح للفنانين والمبدعين السعوديين فرصًا غير مسبوقة لعرض أعمالهم محليًا وعالميًا. هذا التحول يعكس إيمانًا راسخًا بقدرة الفن على أن يكون سفيرًا للهوية السعودية، وأن يساهم في بناء صورة إيجابية للمملكة على الساحة الدولية.

وفي جلسة «الدبلوماسية الإبداعية: الفن كلغة عالمية لربط الثقافات»، تُقدَّم مقاربة عملية لكيفية تصميم عمل فني يحتفظ بهويته المحلية ويتحدث للعالم في آن واحد. جوهر النقاش يدور حول جعل القصة المحلية مفهومة لجمهور عالمي؛ أي الانتقال من خصوصية التجربة إلى عمومية المعنى دون فقدان الروح. وهنا يظهر الفن كجسر معرفي وعاطفي، يقدّم الثقافة بذكاء ويصنع تأثيرًا يتجاوز الحدود الجغرافية، عبر تحويل الرموز الثقافية إلى قوالب عالمية تتقبلها العيون المختلفة وتقرأها دون حواجز.

تُعد الدبلوماسية الإبداعية أداة قوية للدول لتعزيز نفوذها الثقافي وبناء علاقات قائمة على التفاهم المتبادل. فمن خلال الفن، يمكن للمملكة أن تقدم للعالم سرديتها الخاصة، بعيدًا عن القوالب النمطية، وأن تبرز عمق تاريخها وحداثة حاضرها. هذا النهج لا يقتصر على عرض الأعمال الفنية فحسب، بل يمتد ليشمل تبادل الخبرات، ورعاية المواهب، وإطلاق مبادرات فنية مشتركة تسهم في إثراء الحوار الثقافي العالمي.

وتتقدم الجلسة خطوة أخرى نحو شرط أساسي في الدبلوماسية الإبداعية، هو فهم الآخر بوصفه مدخلًا لبناء جسور التواصل عبر الفن. فحين يتعامل الفنان مع اختلاف السياقات والذائقة والخلفيات، يصبح الوعي بالمتلقي جزءًا من عملية الإبداع نفسها. ومن هذه الزاوية تُناقش الجلسة تسويق الهوية الثقافية في المحافل الدولية، بوصفها فعلًا واعيًا يوازن بين الأصالة وقدرة الرسالة على الوصول. ثم تنتقل إلى أدوات عملية للتعاون الفني الدولي، بحيث لا يبقى الحوار في مستوى الأفكار، بل يتحول إلى طرق قابلة للتطبيق تعزز الشراكات وتفتح مسارات إنتاج مشتركة. وتتولى الحديث في هذه الجلسة مديرة القسم الإبداعي في مانجا للإنتاج سارة ولداده.

أما جلسة «الفن السعودي المعاصر: هوية متجددة بملامح عالمية»، فتتناول رحلة الفنان ومصادر إلهامه، وتستحضر قصة إحدى لوحاته التي اختارها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتزيين مكتبه، بما يعكس حضور الفن في الثقافة والهوية الوطنية. يضع هذا المدخل الفن في موقع يتجاوز حدود اللوحة بوصفها منتجًا جماليًا، ليصبح أثرًا ثقافيًا يُقرأ داخل المجتمع ويُستقبل خارجه، ويطرح سؤال تمكين الفنانين المحليين باعتباره جزءًا من فهم تأثير الفن في المجتمع السعودي.

إن تمكين الفنانين المحليين ودعمهم هو ركيزة أساسية لتطوير المشهد الفني السعودي. فمن خلال توفير البيئة المناسبة للابتكار والإبداع، يمكن للفنانين أن يعبروا عن رؤاهم وتجاربهم الفريدة، مما يثري المحتوى الثقافي الوطني ويقدم للعالم صورة حقيقية عن المجتمع السعودي المتطور. هذا الدعم لا يقتصر على الجانب المادي، بل يشمل أيضًا توفير منصات للعرض، وبرامج تدريبية، وفرصًا للتفاعل مع الخبرات العالمية، مما يسهم في بناء صناعة إبداعية مستدامة.

وتتسع محاور هذه الجلسة لتلامس زاوية الصورة الدولية للمملكة عبر أدوات الفهم الغربية: الدور الذي يلعبه الكِتاب في فهم السعودية من منظور غربي، ثم الأسلوب الغربي في تناول القيادة والشباب في السلطة. وتصل النقاشات إلى التغييرات الاجتماعية والسياسات الاقتصادية الكبرى وتأثيرها على صورة المملكة دوليًا، بوصفها عناصر تُشكّل الخلفية التي تُقرأ ضمنها الأعمال الفنية وتتحدد عبرها توقعات الجمهور الخارجي. وتتحدث في هذه الجلسة رئيسة منظمة وورلد داب لولوه الحمود.

والقاسم المشترك بين الجلستين واضح: الفن بوصفه رسالة تعريفية، ومجالًا لصياغة صورة الهوية وتقديمها بوعي يتعامل مع الداخل والخارج معًا. يضع المنتدى السعودي للإعلام هذه الأسئلة في واجهة النقاش قبل موعد انعقاده، في لحظة يزداد فيها تأثير الثقافة البصرية والسرد الإبداعي على تشكيل الانطباعات وبناء الجسور. وبين الدبلوماسية الإبداعية والفن السعودي المعاصر، تتحدد مهمة واحدة هي تحويل الهوية إلى قصة قابلة للعبور، تُحترم محليًا وتُفهم عالميًا، وتُترجم إلى تعاونٍ وإلهامٍ وتأثيرٍ يمتد إلى ما بعد حدود المكان، مؤكدًا على دور المملكة الريادي في صياغة مستقبل إعلامي وثقافي عالمي.

spot_imgspot_img