
في خطوة استراتيجية تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتحقيق مستهدفات رؤية 2030 الطموحة، افتتح معالي وزير التعليم يوسف عبدالله البنيان أعمال منتدى الاستثمار في التعليم والتدريب 2026 بنسخته الثانية. شهد المنتدى حضوراً رفيع المستوى ضم محافظ الأحساء الأمير سعود بن طلال بن بدر، والأميرة ريم بنت الوليد بن طلال، ومعالي وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح، إلى جانب نخبة من القيادات وصناع القرار والمستثمرين والخبراء المحليين والدوليين، مما يؤكد الأهمية المتزايدة لقطاع التعليم كركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية.
التعليم كقاطرة للنمو الاقتصادي: رؤية المملكة 2030
تأتي هذه المبادرة في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، حيث يمثل التعليم والتدريب محوراً رئيسياً في برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج تحقيق رؤية السعودية 2030. لطالما كان التعليم ركيزة أساسية في بناء الأمم، وفي المملكة، يتجاوز دوره التقليدي ليصبح محركاً اقتصادياً حيوياً. تهدف القيادة الرشيدة إلى تحويل قطاع التعليم من مجرد خدمة عامة إلى قطاع اقتصادي مزدهر ومنصة إنتاج وطني تسهم بفعالية في الناتج المحلي الإجمالي. هذا التحول يتطلب ربط التعليم بالاستثمار لتعزيز دوره كقطاع واعد ومحرك رئيس للنمو المستدام، من خلال توفير ممكنات تشريعية وتنظيمية وتشغيلية ومالية تعزز مشاركة القطاعين العام والخاص والقطاع غير الربحي، بما يسهم في تحسين جودة التعليم وفعاليته الاستثمارية.
بيئة استثمارية جاذبة ونضج متزايد
أكد معالي وزير التعليم أن البيئة الاستثمارية في المملكة قد شهدت نضجاً ملحوظاً، مما ساهم في جذب الاستثمار الأجنبي والدولي. هذا النضج يتجلى في تلقي 199 طلباً للاستثمار في التعليم العام أو الجامعي، وهو ما يعكس القوة التنافسية للسوق السعودي وجاذبيته للمستثمرين الراغبين في المساهمة في بناء مستقبل التعليم. يعكس هذا الإقبال الثقة المتزايدة في الإصلاحات الاقتصادية والتعليمية التي تنفذها المملكة، والتي تهدف إلى خلق بيئة محفزة للابتكار والنمو.
شراكات استراتيجية لتعزيز منظومة التعليم
شهد المنتدى توقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين منظومة التعليم والتدريب وعدد من الجهات الحكومية والوطنية والدولية. هذه الاتفاقيات تغطي مجالات حيوية مثل الاستثمار في التعليم، وتطوير البرامج التدريبية، وبناء القدرات، ودعم الابتكار. تهدف هذه الشراكات إلى تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والجهات التمويلية، ودعم الشراكات الإستراتيجية لتطوير منظومة التعليم والتدريب، ورفع كفاءة المخرجات، وتوسيع فرص الاستثمار في القطاع. هذه الخطوات تضمن أن يكون التعليم السعودي مواكباً لأحدث التطورات العالمية وملبياً لاحتياجات سوق العمل المتغيرة.
مواءمة المخرجات التعليمية مع متطلبات سوق العمل
تتجه المملكة نحو مواءمة شاملة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل المتغيرة. في هذا السياق، أكد نائب وزير الرياضة بدر عبدالمحسن القاضي، أن العمل جارٍ بالتكامل مع وزارة التعليم، من خلال مجلس إدارة المركز الوطني للمناهج، على مواءمة المخرجات التعليمية مع حاجات القطاع الرياضي وسوق العمل. يشمل ذلك برامج تأهيل الكفاءات، ومسار ابتعاث رياضيي النخبة، والاستفادة من المنشآت التعليمية الرياضية التي تستضيف اليوم منافسات رسمية، ضمن استعدادات المملكة لاستضافة كأس آسيا 2027، مما يبرز التكامل بين القطاعات المختلفة.
من جانبه، أشار مساعد وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية للخدمات المشتركة إسماعيل الغامدي، إلى إطلاق 16 مجلساً قطاعياً للمهارات تضم ممثلين من القطاعين العام والخاص، بهدف مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل. كما جرى تطوير أطر المهارات القطاعية، وإعداد قاموس وطني للمهارات من خمسة مستويات، وتصنيف أكثر من 10 آلاف مهارة تغطي نحو 2000 مهنة. هذه المبادرات تهدف إلى بناء قوة عاملة سعودية مؤهلة ومنافسة عالمياً.
برامج تدريبية طموحة وتنمية للقدرات البشرية
تتواصل الجهود في مجال التدريب وتنمية القدرات، حيث تم إطلاق «مسرّعة المهارات» لتدريب 300 ألف سعودي وسعودية عبر 3000 برنامج تدريبي في سبعة قطاعات اقتصادية حيوية. إلى جانب ذلك، نُفذت برامج الإرشاد المهني بالشراكة مع وزارة التعليم في الجامعات منذ عام 2022، وفي المدارس منذ عام 2023، واستفاد منها أكثر من 1.5 مليون طالب وطالبة في المدارس، وأكثر من 350 ألف طالب وطالبة في الجامعات. هذه البرامج تساهم في توجيه الشباب نحو المسارات المهنية المناسبة وتزويدهم بالمهارات اللازمة.
وأكد الغامدي استمرار التدريب على رأس العمل من خلال «الحملة الوطنية للتدريب – وعد»، التي تستهدف توفير 4.5 مليون فرصة تدريبية حتى 2028م، إذ جرى تنفيذ أكثر من مليوني فرصة حتى الآن. إضافة إلى دعم الشهادات المهنية الاحترافية، التي بلغ عددها 359 شهادة مدعومة، مما يعزز من جودة وكفاءة القوى العاملة الوطنية.
نمو استثماري غير مسبوق ودور الاستراتيجية الوطنية للاستثمار
تتكامل هذه الجهود مع النمو الاقتصادي الشامل الذي تشهده المملكة. بين مساعد وزير الاستثمار عبدالله الدبيخي، أن المملكة شهدت تضاعف تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بأكثر من أربع مرات، لتصل إلى 119 مليار ريال في 2024م، مقارنة بـ28 مليار ريال في 2017م. كما ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي التراكمي إلى نحو 977 مليار ريال في 2024م. هذا النمو يعكس الثقة العالمية في الاقتصاد السعودي وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال.
وأوضح الدبيخي أن هذا النمو جاء نتيجة التحول نحو استقطاب الاستثمارات النوعية، وإطلاق الإستراتيجية الوطنية للاستثمار في 2021م، التي ترتكز على أربع ركائز رئيسة: توليد فرص استثمارية قوية، وزيادة مساهمة فئات المستثمرين، وتنويع خيارات التمويل، وبناء بيئة استثمارية جاذبة وتنافسية. تضم الإستراتيجية 40 مبادرة، وتخضع حالياً لعملية تطوير شاملة تمهيداً لإطلاق نسختها الثانية، إلى جانب الإصلاحات التشريعية وتطبيق نظام الاستثمار الجديد، وترسيخ مبدأ المعاملة المتساوية بين المستثمر المحلي والأجنبي. وقد أثمرت هذه الجهود عن إصدار أكثر من 60 ألف رخصة استثمارية، واستقطاب أكثر من 700 مقر إقليمي للشركات العالمية، وتقدم المملكة إلى المرتبة 17 عالمياً في تقرير التنافسية العالمية الصادر عن IMD لعام 2025، مما يؤكد مكانتها كوجهة استثمارية عالمية رائدة.
التعليم الخاص والاستثمار في البنية التحتية التعليمية
يُعد قطاع التعليم والتدريب من أكثر القطاعات جاذبية للاستثمار، حيث يتجاوز حجم الإنفاق الحكومي عليه 200 مليار ريال سنوياً، مما يشكّل قاعدة قوية للمستثمرين. نوه مساعد وزير التعليم للتعليم الخاص والاستثمار إياد القرعاوي، بأن الوزارة تستهدف رفع مشاركة القطاع الخاص في التعليم العام الأهلي من 17% إلى أكثر من 25% بحلول 2030م، مع طموحات أعلى في 2035م. هذا التوسع يفتح آفاقاً واسعة للقطاع الخاص للمساهمة في تطوير التعليم وتقديم خيارات متنوعة وعالية الجودة.
وذكر القرعاوي أن الوزارة أطلقت «منصة ملعبي» لاستثمار أكثر من 800 ملعب تعليمي، مع خطة للتوسع إلى أكثر من 2000 ملعب خلال السنوات الخمس القادمة. هذه المبادرة لا تقتصر على تعزيز البنية التحتية الرياضية فحسب، بل تهدف أيضاً إلى استغلال الأصول التعليمية بكفاءة، وتوفير بيئة جاذبة للطلاب والمجتمع. إلى جانب ذلك، هناك توجه نحو التوسع في استقطاب الجامعات الأجنبية، ونمو الجامعات الخاصة وغير الربحية، مما يثري المشهد التعليمي ويقدم خيارات أكاديمية متنوعة تتناسب مع الطموحات الوطنية والعالمية.
التأثير المتوقع والآفاق المستقبلية
إن تحويل التعليم إلى قطاع اقتصادي ومنصة إنتاج وطني في المملكة العربية السعودية يحمل في طياته تأثيراً عميقاً ومتعدد الأبعاد. محلياً، سيؤدي هذا التوجه إلى خلق فرص عمل نوعية للشباب السعودي، وتحسين جودة التعليم، وتوفير مخرجات تعليمية تتوافق تماماً مع متطلبات سوق العمل المتجددة، مما يعزز من التنمية المستدامة ويقلل الاعتماد على النفط. إقليمياً، ستعزز المملكة مكانتها كمركز إقليمي للتعليم والتدريب، جاذبة للطلاب والمستثمرين من دول الجوار، ومساهمة في رفع مستوى التعليم في المنطقة. دولياً، ستصبح المملكة لاعباً رئيسياً في اقتصاد المعرفة العالمي، من خلال استقطاب أفضل الممارسات التعليمية والابتكارات، وتصدير الخبرات والكفاءات، مما يعزز من تنافسيتها العالمية ويساهم في بناء مستقبل مزدهر قائم على المعرفة والابتكار.


