موسكو تستبعد التوصل لاتفاق سريع حول أوكرانيا رغم المحادثات الثلاثية المكثفة
بعد يومين من المحادثات الثلاثية المكثفة التي جمعت ممثلين عن روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا، خفضت موسكو سقف التوقعات بشكل كبير، مستبعدةً إمكانية التوصل إلى نتائج سريعة أو اتفاق ودي وشامل في المستقبل القريب. هذه التصريحات تأتي لتلقي بظلال من الشك على الجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء الصراع المستمر.
وفي إحاطة صحفية عقدها اليوم (الاثنين)، صرح المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، بأن “من الخطأ توقع نتائج مثمرة للغاية من الاتصالات الثلاثية حول أوكرانيا”. وأضاف بيسكوف أن “الكثير من العمل ينتظر الدول المعنية حول التسوية الأوكرانية”، مشدداً على أن التوصل إلى اتفاق ودي أمر مستبعد في الوقت الراهن، وأن “مسألة الحدود والأراضي لا تزال عالقة” دون حل. ومن المقرر استئناف هذه الاتصالات الحيوية الأسبوع القادم، مما يشير إلى استمرار الرغبة في الحوار رغم التباينات العميقة.
وفي سياق متصل، وحول احتمال عقد اجتماع قمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، أوضح بيسكوف أنه “لا يوجد في أجندة بوتين الحالية أي محادثة مع ترامب”، لكنه لم يستبعد إمكانية الاتفاق عليها “سريعاً إذا تطلب الأمر”، مما يترك الباب مفتوحاً أمام قنوات اتصال رفيعة المستوى في المستقبل.
ولم تقتصر تصريحات الكرملين على الشأن الأوكراني، فقد أكد المتحدث الروسي أن “أي ضربة على إيران قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بشكل خطير”. وأوضح أن موسكو تأمل أن “تحافظ جميع الأطراف على ضبط النفس بشأن إيران، وأن يتم التركيز على حل سلمي”، في إشارة إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
من جانبه، كان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف قد أفاد، أمس، بأن المحادثات الثلاثية كانت “مهمة جداً وبناءة”، معلناً عن جولة أخرى من المفاوضات يوم الأحد القادم، مما يعكس وجهة نظر أمريكية أكثر تفاؤلاً بشأن مسار الحوار.
خلفية الصراع وأهمية المحادثات
تُعد هذه المفاوضات أول محادثات مباشرة معلنة بهذا الشكل الثلاثي بين موسكو وكييف بوساطة أمريكية، وتهدف إلى تطبيق خطة أمريكية لإنهاء الحرب التي بدأت في فبراير 2022. يعود جذور هذا الصراع إلى عام 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في منطقة دونباس، مما أدى إلى حرب استنزاف استمرت لسنوات قبل التصعيد الكبير في عام 2022. لطالما اعتبرت روسيا توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقاً تهديداً لأمنها القومي، بينما تصر أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون على حقها في السيادة وتقرير مصيرها.
سبق أن أجريت مفاوضات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا خلال السنة الأولى من الحرب عام 2022، وكذلك مرات عدة في عام 2025 (في إسطنبول)، لكنها لم تفضِ إلا إلى تبادل الأسرى وجثامين الجنود القتلى، دون أن تؤدي إلى حلّ النزاع الأساسي، على عكس ما ترمي إليه الإدارة الأمريكية من تلك المساعي الحالية التي تسعى إلى تسوية سياسية شاملة.
خطة ترامب وتحديات التسوية
كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد ألمح سابقاً إلى خطة من بنود عدة تتضمن إمكانية تنازل كييف عن أراضٍ في شرق البلاد لصالح موسكو، فضلاً عن تخليها عن حلم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. هذه المطالب لطالما تمسك بها الجانب الروسي كشروط أساسية لأي تسوية. إلا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رفض بشكل قاطع التنازل عن الأراضي، مؤكداً أن هذا القرار يتعارض مع الدستور الأوكراني، ويتطلب إجراءات خاصة واستفتاء شعبياً، مما يضع عقبة دستورية وسياسية كبيرة أمام أي تنازلات إقليمية.
التأثيرات المتوقعة والآفاق المستقبلية
إن استبعاد موسكو لنتائج سريعة يعكس عمق الخلافات الجوهرية، خاصة فيما يتعلق بالحدود والسيادة الإقليمية. هذه المحادثات، وإن لم تسفر عن اختراق فوري، تظل ذات أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، يترقب الشعب الأوكراني أي بصيص أمل لإنهاء الحرب التي دمرت البلاد وأدت إلى نزوح الملايين. إقليمياً، تؤثر الأزمة الأوكرانية بشكل مباشر على الأمن الأوروبي، واستقرار أسواق الطاقة، وتدفقات اللاجئين، وتزيد من التوترات بين روسيا والغرب. دولياً، تُعد هذه الأزمة اختباراً للنظام الدولي القائم على القواعد، وتبرز تحديات القانون الدولي ومبادئ السيادة الوطنية.
إن استمرار الحوار، حتى لو كان بطيئاً ومعقداً، يمثل خطوة ضرورية نحو بناء الثقة واستكشاف أرضية مشتركة. ومع ذلك، فإن التوصل إلى اتفاق شامل يتطلب تنازلات كبيرة من جميع الأطراف، وهو أمر يبدو بعيد المنال في ظل المواقف الحالية. تبقى الأنظار متجهة نحو الجولات القادمة من المحادثات، ومدى قدرة الدبلوماسية على تجاوز العقبات الجيوسياسية والعسكرية المعقدة التي تشكل مستقبل أوكرانيا والمنطقة بأسرها.


