تتجه المملكة العربية السعودية بخطى ثابتة نحو تعزيز أمنها المائي واستدامة مواردها الطبيعية، حيث أعلنت وزارة البيئة والمياه والزراعة عن قرار حاسم يقضي بإيقاف زراعة الأعلاف المعمرة اعتبارًا من 16 نوفمبر القادم. يأتي هذا القرار الاستراتيجي في إطار جهود المملكة الحثيثة للحفاظ على الموارد المائية غير المتجددة، والتي تعد عصب الحياة والتنمية في بيئة صحراوية تتسم بندرة المياه.
لطالما شكلت قضية المياه تحديًا محوريًا للمملكة العربية السعودية، التي تعتمد بشكل كبير على المياه الجوفية غير المتجددة ومحطات تحلية المياه لتلبية احتياجاتها المتزايدة. في العقود الماضية، شهدت المملكة برامج زراعية طموحة، كان أبرزها تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح في الثمانينيات والتسعينيات. ورغم النجاح في تحقيق الأمن الغذائي حينها، إلا أن هذه البرامج استنزفت كميات هائلة من المياه الجوفية، مما دفع بصناع القرار إلى إعادة تقييم الاستراتيجيات الزراعية. ومع إطلاق رؤية السعودية 2030، تبلورت رؤية جديدة تركز على الاستدامة البيئية، الإدارة الرشيدة للموارد المائية، وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، مع التركيز على الأمن الغذائي من خلال الاستيراد للمحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه.
ينص القرار على تطبيق الإيقاف على جميع المساحات المزروعة بالأعلاف المعمرة في مناطق الرف الرسوبي، وذلك وفقًا لضوابط محددة صادرة عن مجلس الوزراء. ويشمل ذلك التحول التدريجي من زراعة الأعلاف الخضراء المعمرة إلى زراعة الأعلاف الموسمية، ضمن آلية معتمدة تهدف إلى تقليل الضغط على المخزون الجوفي للمياه. هذا التحول يعد ركيزة أساسية لرفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية والحفاظ عليها، بما يضمن تحقيق الاستدامة الزراعية التي تتوافق مع الأهداف الطموحة للاستراتيجية الوطنية للزراعة.
تكمن أهمية هذا القرار في الأرقام الصارخة التي تكشف عن الفارق الكبير في استهلاك المياه بين النوعين من الأعلاف. ففي حين تستهلك الأعلاف المعمرة ما يقارب 32 ألف متر مكعب من المياه سنويًا لكل هكتار، لا يتجاوز استهلاك الأعلاف الموسمية 9 آلاف متر مكعب للهكتار الواحد. هذا التباين الكبير يؤكد الأثر الإيجابي المتوقع للقرار في ترشيد استهلاك المياه والحفاظ على مصادرها غير المتجددة للأجيال القادمة.
تُعرف الأعلاف المعمرة بأنها محاصيل علفية خضراء تبقى في الأرض وتنتج لأكثر من موسم زراعي واحد دون الحاجة لإعادة زراعتها سنويًا. تتميز هذه المحاصيل بجذورها القوية وقدرتها على الإنتاج لفترات طويلة تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات، ومن أمثلتها البونيكام، البرسيم الحجازي، والرودس. ورغم غناها بالبروتين وقيمتها الغذائية العالية للمواشي، إلا أنها تستهلك كميات هائلة من المياه، مما يجعل استمرار زراعتها تحديًا كبيرًا للأمن المائي.
كان المزارعون، وخاصة أصحاب المواشي، يلجأون إلى زراعة الأعلاف المعمرة لما توفره من إنتاجية عالية وكميات وفيرة من المادة الخضراء في الحشة الواحدة، بالإضافة إلى توفير تكاليف وعناء إعداد الأرض والزراعة سنويًا. ومع ذلك، فإن المصلحة الوطنية العليا تتطلب التضحية ببعض الممارسات الزراعية التقليدية لصالح استدامة الموارد الحيوية.
لم يكن هذا الإيقاف مفاجئًا، فقد شرعت وزارة البيئة والمياه والزراعة في إيقاف تدريجي لزراعة الأعلاف المعمرة على مدى فترة لا تتجاوز 3 سنوات، مع تشجيع التحول لزراعة الأعلاف الموسمية بحد أقصى 50 هكتارًا لكل مزرعة. وقد تضمن القرار ضوابط صارمة للشركات الزراعية المحلية وكبار المزارعين الراغبين في زراعة القمح والأعلاف الموسمية. من أبرز هذه الضوابط عدم السماح بحفر آبار جديدة لزراعة هذه المحاصيل في مناطق حيوية مثل الجوف، الحدود الشمالية، المنطقة الشرقية، وأجزاء من مناطق الرياض، المدينة المنورة، القصيم، حائل، تبوك، ونجران. ويقتصر الاعتماد على الآبار القائمة والمرخصة في المزرعة، مع إمكانية منح رخص لأعمال الصيانة أو التنظيف أو التعميق فقط.
كما شددت الوزارة على أنه لا يجوز للشركات الزراعية المحلية وكبار المزارعين البدء في زراعة القمح والأعلاف الموسمية إلا بعد الحصول على رخصة استخدام المصدر المائي، وفقًا للشروط المنظمة. ويجب عليهم الالتزام باستخدام الوسائل المرشدة لاستهلاك المياه بكفاءة ري لا تقل عن 75%، مما يؤكد التزام المملكة بالتقنيات الحديثة في الري لضمان أقصى كفاءة في استخدام كل قطرة ماء.
تأثيرات القرار وآفاق المستقبل:
من المتوقع أن يكون لهذا القرار تداعيات إيجابية واسعة النطاق على المستويين المحلي والوطني. على الصعيد البيئي، سيساهم بشكل مباشر في رفع منسوب المياه الجوفية وتجديدها، مما يعزز التوازن البيئي ويحمي الأنظمة البيئية المرتبطة بالمياه. اقتصاديًا، سيشجع القرار على الابتكار في القطاع الزراعي، ويدفع نحو تطوير سلالات أعلاف موسمية أكثر كفاءة في استهلاك المياه، بالإضافة إلى الاستثمار في تقنيات الري الحديثة. كما سيعيد تشكيل خارطة الإنتاج الزراعي، ويوجه الاستثمارات نحو محاصيل أقل استهلاكًا للمياه أو نحو قطاعات زراعية ذات قيمة مضافة أعلى.
على المدى الطويل، يعزز هذا القرار مكانة المملكة كنموذج يحتذى به في إدارة الموارد المائية في المناطق القاحلة، ويسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. إنه خطوة جريئة وضرورية نحو مستقبل أكثر استدامة، حيث تتوازن فيه احتياجات التنمية مع ضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، مؤكدًا التزام المملكة الراسخ بتحقيق الأمن المائي الشامل.


