بغداد، العراق – أعلن البرلمان العراقي، اليوم الثلاثاء، عن تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية الجديد لأجل غير مسمى، وذلك في خطوة تعكس عمق الخلافات السياسية الكردية التي تعرقل استكمال الاستحقاقات الدستورية للبلاد. جاء هذا التأجيل بعد تلقي البرلمان طلباً رسمياً من الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ما يؤكد عدم توصلهما إلى اتفاق حول مرشح توافقي للمنصب السيادي.
يأتي هذا التطور في ظل اقتراب انتهاء المدة الدستورية المحددة لانتخاب الرئيس، والتي تنص على أن يتم ذلك خلال 30 يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب. ومع انعقاد الجلسة الأولى في 29 ديسمبر 2025، فإن الموعد النهائي لانتخاب الرئيس كان يقترب من ليل 28 يناير 2026، مما يضع العملية السياسية في العراق أمام تحدٍ دستوري جديد.
السياق التاريخي والسياسي لمنصب الرئيس في العراق:
منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 وتشكيل العملية السياسية الجديدة، أصبح منصب رئيس الجمهورية استحقاقاً للمكون الكردي بموجب عرف سياسي غير مكتوب يُعرف بنظام “المحاصصة”. يقضي هذا العرف بتوزيع المناصب السيادية الرئيسية على المكونات الثلاثة الكبرى في العراق: رئيس الجمهورية للأكراد، رئيس الوزراء للشيعة، ورئيس مجلس النواب للسنة. ورغم أن دور الرئيس في العراق يُعتبر شرفياً إلى حد كبير، إلا أنه يمثل رمزاً لوحدة البلاد ويضطلع بمهام دستورية مهمة مثل المصادقة على القوانين والمراسيم.
لطالما شهدت العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (بزعامة مسعود بارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (بزعامة بافل طالباني) تنافساً تاريخياً على النفوذ في إقليم كردستان وعلى الساحة العراقية. هذا التنافس يظهر جلياً في كل دورة انتخابية عند اختيار مرشح لمنصب رئيس الجمهورية، حيث يسعى كل طرف لفرض مرشحه، مما يؤدي غالباً إلى تأخيرات وخلافات حادة. هذه الجلسة كانت ستشهد انتخاب الرئيس السادس للعراق منذ عام 2003، مما يبرز استمرارية هذا التحدي.
أهمية التأجيل وتأثيراته المتوقعة:
إن تأجيل جلسة انتخاب الرئيس له تداعيات كبيرة على المشهد السياسي العراقي على عدة مستويات. محلياً، يزيد هذا التأجيل من حالة عدم اليقين السياسي ويطيل أمد الفراغ الدستوري، مما يعرقل تشكيل الحكومة الجديدة التي تتوقف على انتخاب الرئيس أولاً. هذا بدوره يؤثر سلباً على قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين ومعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الملحة، ويزيد من حالة الإحباط الشعبي تجاه الطبقة السياسية.
إقليمياً ودولياً، يبعث استمرار الجمود السياسي في العراق برسائل سلبية حول استقرار البلاد. فالعراق، بصفته لاعباً محورياً في المنطقة، يمثل نقطة توازن حساسة. أي اضطراب داخلي يمكن أن يكون له تداعيات على الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التوترات القائمة. كما أن عدم الاستقرار قد يؤثر على ثقة المستثمرين الأجانب وجهود المجتمع الدولي لدعم العراق في مسيرته نحو التعافي والتنمية.
يتنافس على المنصب حالياً 19 مرشحاً نالوا موافقة البرلمان والمحكمة الاتحادية، لكن التنافس الفعلي ينحصر بين مرشحين رئيسيين: فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ونزار أميدي عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني. عدم قدرة الحزبين على التوافق على مرشح واحد هو جوهر الأزمة الحالية، ويؤكد الحاجة الملحة لحوار جاد وتنازلات متبادلة لتجاوز هذا المأزق الدستوري وضمان استقرار العملية السياسية في العراق.


